حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> عشر ذي الحجة

يوم عرفة وميثاق العدل: لا تظالموا

يوم عرفة وميثاق العدل: لا تظالموا
2026‏/05‏/24
41٬196

الحمدُ للهِ الذي جعلَ في الدهرِ مواسمَ للخيرات، تُضاعَفُ فيها الحسنات، وتُمحى فيها السيئات، وتُفتَحُ فيها أبوابُ الرحمات، ومن أعظمها يومُ عرفة؛ ذلك اليومُ المبارك الذي تتنزَّل فيه السكينة، وتُسكَب فيه العبرات، وتلهجُ الألسنُ بالدعوات، وترتفعُ فيه الأكفُّ رجاءَ العفو والمغفرة والنجاة من النار.

غيرَ أنَّ من الناسِ مَن يقفُ في هذا اليوم يرجو رحمةَ الله، وقلبُه مثقلٌ بمظالمِ العباد، وذمَّتُه مشغولةٌ بحقوقٍ لم يُؤدِّها، أو جراحٍ أحدثها ولم يعتذر عنها، أو أموالٍ أخذها ولم يردَّها. 

في يوم عرفة، لا يكفي أن ترفع يديك طالبا المغفرة، بل ارفع عن كاهلك أيضا أثقال المظالم، ورد الحقوق إلى أهلها، واطلب الصفح ممن آذيت.🌿

إنَّ يومَ عرفة، هو يومُ مراجعةٍ للذِّمم، ومصالحةٍ مع الخلق، وتطهيرٍ للقلب من الظلم والبغي والعدوان؛ ففيه أعلن النبيُّ ﷺ في أعظمِ مشهدٍ وأجلِّ مقامٍ حرمةَ الدماءِ والأموالِ والأعراض، وأرسى للأمة ميثاقا خالدا في العدل والإنصاف.

فقد وقف النبي ﷺ في خطبة الوداع بعرفات، معلنا ميثاق العدل وحرمة الظلم في أعظم مجمع وأجل موقف، فقال «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا.(1)»

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ. (2)»

فحريٌّ بكلِّ مؤمنٍ يرجو مغفرةَ الله، أن يقف مع نفسِه وقفةَ صدقٍ، يُحاسبُها على ما كان من تقصيرٍ أو ظلم، ويتحلَّل من حقوق العباد.

📉حقيقة الظلم وعواقبه الوخيمة

من كمالِ هذا الدِّينِ وعظيمِ رحمةِ اللهِ بعباده أنْ حرَّم الظُّلمَ بجميع صوره، وسدَّ كلَّ طريقٍ يؤدِّي إليه، ليعيش الناسُ في مجتمعٍ تسوده الرحمةُ والأمان، وتُصان فيه الحقوق، وتُحفَظ فيه الكرامات.

وقد نزَّه اللهُ تعالى نفسَه عن الظلم، لتمام عدله وكمال حكمته، فقال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46].

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنِ اللهِ تبارك وتعالى أَنَّهُ قَالَ: « يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّما فَلَا تَظَالَمُوا. (3)»

الظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه.

 وما حرم الإسلام شيئا كالظلم، ولا توعد الله أحدا بمثل ما توعد به الظالمين، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]. وقال ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18]

الظلم وخيم المرتع، سيئ العواقب، مؤذن بهلاك الديار، جالب للعار والشنار، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ. (4)»

📋هل ذمتك بريئة؟!

قد يغفل كثير من الناس عن حقيقة عظيمة، وهي أن الاستغفار لا يغني عن رد الحقوق، وأن التوبة من ظلم العباد لا تكتمل إلا بإعادة المظالم إلى أهلها.

في يوم عرفة، حيث تعظم الرغبة في المغفرة، يجدر بالمؤمن أن يفتش في أبواب الظلم التي قد يكون وقع فيها.

والظلم صوره كثيرة، ودرجاته متفاوتة، أعظمها وأخطرها وأشدها وأشنعها الكفر والشرك بالله؛ قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 254]، وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] 

 ومن ذلك مظالم قد يستهين بها بعض الناس، وهي عند الله عظيمة نذكر منها:

ظلم النفس:

وذلك بالتفريط في الفرائض، والتهاون بالطاعات، والإصرار على المعاصي، وتجاوز حدود الله، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1]

ظلم العباد بعضهم بعضا

ويشمل كل تعد على حقوق الناس في أموالهم أو أعراضهم أو مشاعرهم، كأكل الحقوق، وتأخير الديون، والغيبة، والبهتان، وكسر القلوب، والتقصير في أداء الأمانات.

ومن صور الظلم المؤلمة في واقعنا ظلم الأقربين: 

ظلم الوالدين بالعقوق، والتقصير في برِّهما، وإهمالهما عند حاجتهما إلى الرعاية والعناية، ونسيان فضلهما.

ومن الظلم ظلم الأولاد

 بتضييع حقوقهم وإهمال تربيتهم، وعدم العدل بينهم، وتفضيل بعضهم على بعض في الهبة والعطية، أو تعريضهم للانحراف وسوء الأخلاق.

ظلم الزوجة

بحرمانها من حقوقها من المهر، أو النفقة، أو الإساءة إليها، أو ضربها وتعنيفها، أو الميل لإحدى الزوجتين دون الأخرى.

أكل أموال اليتامى

وقد توعَّد الله فاعله بأشد الوعيد، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْما إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرا﴾ [النساء: 10] 

المماطلة في الحقوق والديون

ومن الظلم جحد الدين والمماطلة بحقوق الناس مع الغنى، وأخذ أموال الناس مع إضمار عدم الوفاء بها.

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ. (5)»

كم من الناس يؤخِّر سداد الحقوق وهو قادر، غيرَ مبالٍ بما يترتب على ذلك من أذى ومشقَّة!

ظلم العمّال والأُجراء

بتأخير أجورهم، أو بخس حقوقهم، أو تحميلهم ما لا يطيقون.

الاعتداء على الأملاك

ومن الظلم التعدي على الأملاك الخاصة والعامة واقتطاع أراض وعقارات بغير وجه حق. قال ﷺ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ. (6)»

ومن الظلم تفريط الموظف في مهامه وواجباته، واستغلاله لمنصبه، وتعطيله لمصالح الناس، قال ﷺ: «(اللَّهُمَّ! مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ. وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئا فَرَفَقَ بِهِمْ، فارفق به).(7)»

الظلم بالكلمة

وهو من أخطر ما يستهين به الناس اليوم:

الوقوع في أعراض الناس، بالغيبة ، والبهتان، والإشاعات، وتشويه السمعة، والطعن في الأعراض، خاصة عبر وسائل التواصل.

كم من كلمةٍ كتبتها يدٌ، فأوجعت قلبا، وهدمت بيتا، وأشعلت فتنة، وكانت سببا في مظلمةٍ لا يعلم قدرها إلا الله!

عاقبة الظلم وخيمة

الظلم ليس أمرا يمرُّ بلا حساب، بل هو دينٌ يُقضى، وحقٌّ يُستوفى، وإن طال الزمن.

عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ}.(8)»

فكم من ظالمٍ ظنَّ أن تأخير العقوبة نجاة، وما علم أن الإمهال قد يكون استدراجا!

دعوة المظلوم لا تُردّ

من أعظم ما ينبغي أن يخشاه الظالم: دعوةُ المظلوم.

تخيل أنك تدعو الله في يوم عرفة، وفي الوقت نفسه هناك شخصٌ مظلوم يرفع يده إلى الله يشكو "ظلمك له". 

لما بعث النبي ﷺ معاذا إلى اليمن قال له: « «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ. (9)»

قد تنام مطمئنّا، بينما يرفع مظلومٌ كفَّيه في جوف الليل أو في يوم عرفة، يشكو أمرك إلى ربِّ العالمين.

يا من تطمع في مغفرة يوم عرفة، اتقِ الله، واحذر مظالم العباد، وأدِّ الحقوق إلى أهلها، فإن الله يمهل ولا يهمل. 

بادر بردِّ المظالم قبل فوات الأوان

إن كانت عندك مظلمةٌ لأحد، فبادِر اليوم إلى ردِّ الحق، وطلب المسامحة، قبل يومٍ لا دينار فيه ولا درهم.

فالحسناتُ يوم القيامة أثمنُ من الذهب، فلا تجعلها تُؤخذ منك جزاءَ ظلمٍ استصغرته. 

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئا يَسِيرا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَإِنْ قَضِيبا مِنْ أَرَاكٍ. (10)»

وقفة محاسبة🕊️

هل ظلمتَ أحدا بكلمة؟

هل أخَّرتَ حقّا عليك؟

هل قصَّرتَ في حقِّ والدٍ أو زوجةٍ أو ولد؟

هل آذيتَ مسلما في عرضه أو ماله؟

حاسِب نفسَك اليوم، قبل أن تُحاسَب غدا.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَعْتَدِيَ أَوْ يُعْتَدَى عَلَيْنَا، أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا، وَنَسْأَلُكَ قُلُوبا طَاهِرَة، وَأَلْسِنَة صَادِقَة، وَذِمَما بَرِيئَة مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ. 🌿

شارك الفائدة؛ فربَّ كلمةٍ تردُّ ظالما عن ظلمه. 🌿
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هل انتفعت بالفائدة؟

-----------

(1) صحيح البخاري (67).

(2) صحيح مسلم (2564) 

(3) صحيح مسلم (2577)

(4) صحيح مسلم (2578).

(5) صحيح البخاري (2287)، ومسلم (1564).

(6) صحيح البخاري (2453) مسلم (1612).

(7) صحيح مسلم (1828).

(8) صحيح البخاري (4686) ومسلم (2583)

(9) صحيح البخاري (1496)، ومسلم (19).

(10) صحيح مسلم (137).

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/05‏/16
69٬495

آداب المضحي في عشر ذي الحجة 🕋

آداب المضحي في عشر ذي الحجة.

2026‏/05‏/19
40٬351

دليلك لاغتنام عشر ذي الحجة

أيامُ عشر ذي الحجة، التي شهد لها النبيُّ ﷺ بأنها أفضلُ أيام الدنيا

2026‏/05‏/21
55٬127

أحكام الأضحية وفضائلها

الأضحية شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، نتعرف على حكمها، وقتها، وشروطها، وصفة ذبحها، مع نصائح عملية لتعظيم هذه الشعيرة في قلب المسلم.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software