حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> عشر ذي الحجة

التكبير في عشر ذي الحجة وأيام التشريق

التكبير في عشر ذي الحجة وأيام التشريق
2026‏/05‏/13
83٬639

هلت علينا نفحات إيمانية تفيض بالسكينة، وتتسارع فيها نبضات القلوب شوقاً لمرضاة الله؛ إنها عشر ذي الحجة، الأيام التي أقسم الله بها في كتابه تشريفاً وتعظيماً.

 في هذه الأيام - في زحام الحياة المعاصرة وضجيج الماديات - ليس هناك شعار أسمى ولا نداء أزكى من "الله أكبر"، الكلمة التي تختزل استعلاء الإيمان على فوضى الحياة، وتعلن انقياد الروح لخالقها.


في هذه الفائدة - بإذن الله تعالى-، نغوص في أعماق هذه الشعيرة، مستندين إلى نصوص الوحي وفهم السلف، لنستخرج منها زاداً إيمانياً يحيي موات القلوب ويربط العبد بخالقه في أعظم أيام الدنيا.

أولاً: قدسية الزمان وعظمة الذكر💎

لقد عظم الله سبحانه هذه الأيام فأقسم بها في محكم التنزيل.

قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾ [الفجر: 1-2] 

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: «والليالي العشر المراد بها عشر ذي الحجة».. وقال: وهو الصحيح(1).

إن الإقسام الإلهي بالزمان هو دعوة صريحة للتفكر في قيمة الوقت الذي قد نهدره في التوافه، بينما هو موسمٌ لرفع الدرجات. 

ثانياً: التأصيل الشرعي للتكبير (بين المعلومات والمعدودات) 📜

التكبير من السنن المهجورة التي ينبغي إحياؤها، خصوصًا في عشر ذي الحجة، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية التكبير في هذا الموسم المبارك، وهي تتجاوز مجرد الاستحباب إلى كونها شعيرة ظاهرة:

 

1. من القرآن الكريم:

قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28]. 

قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأيام المعلومات: أيام العشر.

وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]

قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق.

وقال عكرمة: يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر الله أكبر.» (2).

إن الربط بين "المعلومات" و"المعدودات" يجعل من هذا الشهر وحدةً زمنيةً متصلةً بذكر الله، لا ينقطع فيها لسان المؤمن عن التعظيم.

 

2. من السنة النبوية المطهرة:

 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ: "مَا من أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالحُ فِيهِنَّ أحَبُّ إلى اللهِ من هذِهِ الأيَّامِ العَشْرِ". فقالُوا: يَا رسُولَ اللهِ، وَلا الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ؟ فقال رَسولُ اللهِ ﷺ: "‌وَلا ‌الجهَادُ ‌في ‌سَبيلِ ‌الله، ‌إلَّا ‌رَجُلٌ ‌خَرجَ ‌بِنَفْسهِ ‌وَمَالهِ، ‌فلم ‌يَرْجِعْ ‌من ‌ذلكَ ‌بِشَيْءٍ» (3).

وعَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، ‌فَأَكْثِرُوا ‌فِيهِنَّ ‌مِنَ ‌التَّهْلِيلِ ‌وَالتَّكْبِيرِ ‌وَالتَّحْمِيدِ» (4)

العمل الصالح فيها أحب إلى الله وأعظم أجرًا

 قال ﷺ: «ما مِن عَمَلٍ أَزْكَى عندَ اللهِ عزَّ وجَلَّ ولا أَعْظَمَ أَجْراً مِن خَيْرٍ يَعْمَلُهُ في عَشْرِ الأضْحَى» (5).

ومن العمل الصالح في هذه الأيام ذكر الله بالتكبير والتهليل:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» (6).

 

ثالثاً: هدي السلف في إحياء السنّة المهجورة👣

كان التكبير عند الصحابة والتابعين عبادةً "تضجّ" بها الطرقات، لا مجرد همسٍ خفيّ. 

كانَ ابنُ عُمَرَ وأبو هُريرَةَ: يَخرُجانِ إلى السُّوقِ في أيامِ العَشْرِ يُكبِّرانِ، ويُكَبِّرُ الناسُ بتكبيرِهِما، وكانَ عُمَرُ رضيَ اللهُ عنهُ يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ بمنًى فيَسْمَعُهُ أهلُ المسجدِ، فيُكبِّرُونَ ويُكبِّرُ أهلُ الأسواقِ حتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تكبيراً، وكانَ ابنُ عُمَرَ يُكبِّرُ بمنًى تلكَ الأيَّامَ، وخَلْفَ الصلواتِ، وعلى فِراشِهِ، وفي فُسْطَاطِهِ، ومَجْلِسِهِ، ومَمْشَاهُ، تلكَ الأيامَ جميعاً، وكانت مَيْمُونَةُ تُكبِّرُ يومَ النَّحْرِ. (7).

تأمل هذا المشهد التربوي؛ صحابيان جليلان يخرجان إلى السوق "لا يخرجان إلا لذلك"، ليذكّرا الناس بأن الدنيا التي يتبايعون فيها لها ربٌّ أكبر منها.

 وكان عمر رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى فيسمعه أهل المسجد فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى تـرتـجّ منى تكبيراً.
 

🕋 أثر التكبير في العشر من ذي الحجة

هل تدرك عظم كلماتك اليوم؟ بكل تكبيرة تبشرك الملائكة بالجنة. 🌟

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبي ﷺ قال: ما أَهَلَّ مُهِلَ قَط ولا كَبَّرَ مُكّبِّر قَط إلَاّ بُشِّرَ ، قِيلَ يا رسول الله، بالجنَّةِ؟ قال: نَعَم.
(حسن) رواه الطبراني).
🌸

تلبية ترفعها أو تكبيرة يلهج بها لسانك وسط زحام حياتك وسعيك، تبشرك بها الملائكة بالجنة الآن! 🌌 فلا تحرم نفسك هذا الكنز في مواسم الفضل.

فإنَّ التكبير شعارُ هذه الأيام، وذِكرُ أهل الإيمان، ومفتاحٌ لطمأنينة القلب وتعظيم الربّ سبحانه.

كبّر الآن بيقين، واجعل التكبير نبض يومك! 🤲

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله.

الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

التكبير.. وفلسفة الاستعلاء الإيماني 📖

 إن التكبير في هذه العشر هو ممارسةٌ عملية لتوحيد الألوهية؛ فعندما يصدح المسلم بـ "الله أكبر" في سوقه، وبيته، وطريقه، فإنه يمارس عملية "تخلية" للقلب من تعظيم الدنيا، و"تحلية" له بتعظيم الخالق.

هو إعلان أن الله "أكبر" من همومنا، "أكبر" من مشاغلنا، أكبر من طموحاتك الدنيوية، وأكبر من كل التحديات التي تواجه الأمة. 

إن هذا "التكبير" هو تعبير عن وحدة الأمة وقوة يقينها، وهو ما نحتاجه اليوم لكسر حاجز الخجل من إظهار شعائر الإسلام في فضاءاتنا العامة.

"الله أكبر" هي عملية "إعادة ضبط" للنفس البشرية لتدرك حجمها الحقيقي أمام عظمة الخالق.

خاتمة

 إن هذه الأيام تمر كمر السحاب، والسعيد من ملأ صحيفته فيها بما يثقل ميزانه. إن التكبير لا يحتاج منك جهداً بدنياً مضنياً، بل قلباً حاضراً ولساناً رطباً بذكر الله. فلا تحرم نفسك ولا تحرم من حولك هذا النور.

 انطلق، اجعل صوتك يعانق السماء، وكبّر الله على ما هداك، لعل صرخة تكبير صادقة منك توقظ قلباً غافلاً، فتكون لك صدقة جارية وأجراً لا ينقطع.

"الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".

شارك هذه الفائدة، وتفاعل بالتعليق، فربّ كلمةٍ تنشرها تكون لك نورًا وأجرًا يوم تلقى الله.

والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هل انتفعت بالفائدة؟

-----------

(1) تفسير ابن كثير (7/ 554).

(2) تفسير ابن كثير (2/ 124).

(3) صحيح البخاري (969) وأبو داود (2438)، والترمذي (767) واللفظ له وابن ماجه (1727).

(4) مسند أحمد (6154)، (5446) وقال محققوه حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف.

(5) (حسن) رواه الدارمي (1815).

(6) صحيح مسلم (1144).

(7) رواه البخاري معلقا.

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/05‏/10
27٬404

📌 صفة الحج

صفة الحج خطوة بخطوة

2026‏/05‏/11
51٬970

أعمالٌ تعدل أجر الحج والعمرة 🕋

أعمال تعدل الحج والعمرة في الثواب

2026‏/05‏/12
31٬250

اختبار دورة الحج والعمرة🕋

أتممت دورة الحج؟ اختبر الآن مع المصلي، ثبّت فهمك للمناسك واحصل على شهادتك الموثقة.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software