حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> إيمانيات

مكائد الشيطان وسبل الوقاية (3).

مكائد الشيطان وسبل الوقاية (3).
2026‏/04‏/18
44٬022

إنَّ المتأمِّل في كتابِ اللهِ ـ جلَّ وعلا ـ وفي سُنَّةِ النبي ﷺ، يلحظُ تحذيرًا بالغًا من كيد الشيطان ووسوسته، وبيانَ خططه المتعددة في إضلال بني آدم وغوايتهم؛ إذ لم يترك سبيلًا إلى الشر إلا سلكه، ولا بابًا إلى الفتنة إلا فتحه، يقود به العباد إلى الانحراف عن صراط الله المستقيم.

وقد بيَّن الله تعالى شدَّة عداوة الشيطان لبني آدم، وكشف عن عزمه الصريح على إغوائهم بكل وسيلة، فقال سبحانه:

﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17]. 

فهي عداوةٌ قديمة، معلنة، قائمة على الترصد والمكر، والسعي الدؤوب لصرف الإنسان عن طريق الهداية.

وجاءت السُّنَّة النبوية تؤكِّد هذا المعنى وتفصِّله، 

فعَنْ سَبْرَةَ بْنِ أَبِي فَاكِهٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ؟ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ. 

ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ فَقَالَ: تُجَاهِدُ، فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ؟ فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ عز وجل أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ عز وجل أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ»(1).

فهذا الحديث يصوِّر ملاحقة الشيطان للإنسان في كل مرحلة من مراحل الخير، ومحاولته صدَّه عن الطاعة قبل وقوعها، ثم أثناءها، بل وبعدها.

ومن مجموع هذه النصوص وغيرها يتبيَّن أن الشيطان لا يدع طريقًا من طرق الشر إلا زيَّنه، ولا بابًا من أبواب الخير إلا سعى إلى تقبيحه والتنفير منه، فيلبِّس الباطل ثوب الحق، ويُهوِّن المعصية، ويُثبِّط عن الطاعة، حتى ينحرف العبد عن الصراط المستقيم.

وللشياطين في إغواء الخلق وصرفهم عن طريق الهداية مكايد كثيرة، وأساليب متجددة، يعجز العقل عن الإحاطة بها، ويقصر الحصر عن عدِّها؛ إذ تتغيَّر بتغيُّر الزمان، وتتنوع باختلاف الأحوال والمكان، فتستميل القلوب المريضة، وتحبِّب إليها الكفر والفسوق والعصيان، وتجرُّها إلى الهلاك خطوة بعد خطوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ونستكمل بعون الله وتوفيقه في هذه الفائدة مكائد الشيطان في إضلال بني آدم وغوايتهم.

خامساً: الغفلة عن ذكر الله

أعظم ما يخشاه الشيطان ذكر الله، لذلك يحرص على إشغال العبد عنه. فإذا غفل العبد تمكن الشيطان، وإذا ذكر العبد ربه خنس الشيطان وانقبض. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]. 

فالغفلة أرض خصبة لوساوس الشيطان، والذكر حصن حصين للمؤمن.

سادساً: ومن مكائد الشيطان: التزيين لفعل المعصية: 

من أعظم مكائد الشيطان وسائله أنه يلبس الباطل ثوب الحق، ويجمّل المعصية حتى تبدو حسنة في عين صاحبها. قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: 24].

فيزيّن الغيبة بأنها نصيحة، ويزيّن الكبر بأنه عزة نفس، ويزيّن البخل بأنه تدبير، ويزيّن التبرج بأنه حرية، ويزيّن التساهل في الدين بأنه يسر. فإذا انخدع العبد بهذا التزيين وقع في المعصية وهو يظن أنه يحسن صنعاً، وهذه من أخطر المكائد.

سابعا: سياسة الخطوات: التدرج في المعصية 

ومن مكائد الشيطان أنه لا يدعو العبد إلى أعظم الذنوب ابتداءً، وإنما يسلك طريق التدرج، فيبدأ بالصغيرة، ثم يهوّنها، ثم يزيّن ما هو أكبر منها، حتى يوقعه في الكبائر. 

وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168]، ولم يقل: لا تتبعوا الشيطان، لأن له خطوات متتابعة. فالمعصية تبدأ بنظرة، ثم فكرة، ثم رغبة، ثم فعل، ثم عادة، ثم إصرار. 

ومن فهم هذا الطريق سدّ الباب من أوله، فلم يسمح للشيطان أن يجرّه خطوة واحدة.

فالحذر يبدأ من صيانة الخواطر قبل أن تتحول إلى أفعال.

ثامنا: إشغال العبد بالمفضول عن الفاضل

من مكائد الشيطان الدقيقة أن يشغل العبد بعمل صالح أقل فضلاً ليترك ما هو أعظم منه. 

فينشغل بالنوافل ويترك الفرائض، أو ينشغل بالجدال ويترك العمل، أو يكثر من العبادات الفردية ويترك حقوق الناس. وهذه مكيدة خفية، لأن العبد يظن نفسه على خير، وهو في الحقيقة قد ترك الأفضل.

ومن مكائد الشيطان:

تاسعا: التسويف (سوف أعمل)

هذا السلاح هو "جند الشيطان الأكبر" خاصة مع الشباب. يُقنع العبد بأنَّ العمر طويل، وأنَّ باب التوبة مفتوح، فيؤخر الصلاة عن وقتها، ويؤجل التوبة من الذنب، ويسوف في طلب العلم، حتى يفجأه الموت وهو على حال لا يرضاها. 

إنَّ "سوف" كلمة هدمت بيوتاً وقربت أقواماً من النار، والمؤمن الكيس هو من يبادر بالعمل وكأنَّه يموت غداً.

اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين، ونعوذ بك ربِّ أن يحضرون. اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، وثبتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.

ونستكمل في الفائدة التالية بإذن الله تعالى سبل النجاة من مكائد الشيطان.

لا تنس النشر والمشاركة لتعمّ الفائدة ويعظم الأجر 📢

وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هل انتفعت بالفائدة.

__________

(1) سنن النسائي (3134)، وأحمد (15958) وقال محققوه إسناده قوي،، وابن حبان (4593)

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/04‏/05
51٬046

كفّارات الذنوب وأبواب المغفرة

أفضل ما يتمناه المسلم أن يخرج من هذه الدنيا وقد غفر الله له ذنوبه، وضاعف له في حسناته.

2026‏/04‏/09
59٬055

مكائد الشيطان وسبل النجاة منها

كان من أعظم ما ينبغي على المسلم معرفته: مكائد الشيطان، وكيف يعمل، وما هي طرقه في الإضلال؛ ليحذرها ويتقيها.

2026‏/04‏/14
40٬829

مكائد الشيطان وسبل النجاة منها (2)

الشيطان يحب أن يرى المؤمن حزيناً مضطرباً، لأن الحزن يضعف القلب ويثبّط عن الطاعة.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software