إنَّ أولَ خطوةٍ في طريق النجاة هي إدراك طبيعة المعركة التي نخوضها؛ فهي ليست معركةً اختيارية، بل هي قدَرٌ محتوم بدأ منذ اللحظة التي أبى فيها إبليس السجود لآدم -عليه السلام-، وأقسم بعزة الله ليغوينَّ بني آدم أجمعين إلا عباد الله المخلصين. قال تعالى محذراً: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} (سورة فاطر: ٦). ومن هنا، كان لزاماً على كل مؤمن أن يفقه العداوة، ويعلم مكائد هذا الخصم اللدود ليتقيها.
وقد تقدَّم الحديث عن أولى مكائد الشيطان، وهي الوسوسة وإلقاء الشكوك في العقيدة، لما لذلك من أثرٍ خطير في زعزعة الإيمان وإضعاف اليقين.
نستأنف – بعون الله وتوفيقه – تتمة الفائدة.
ثانياً: من مكائد الشيطان التحريش وإيقاع العداوة بين المسلمين:
يسعى الشيطان دائماً لإشعال العداوة والبغضاء وبث النزعات بين المؤمنين.
قال تعالى: {إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 91] وقال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء:53].
فيوقع بينهم بسوء الظن، ونقل الكلام، والتأويل الفاسد، والغضب السريع، والدخول في المقاصد والنيات، ويحرِّش بين الدعاة إلى الله تعالى وبين طلبةِ العلمِ؛ وتُزرعُ البغضاء في القلوب، إذا استجاب الناس لهذه الوساوس وتقع الشحناء بين المسلمين، وبين الإخوةِ والأصدقاء وتضعف الأمة.
وذلك مصداقاً لما رواه جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ .(1)»
قال النووي: وهذا الحديث من معجزات النبوة، ومعناه أيس أن يعبده أهل جزيرة العرب ولكنه سعى في التحريش بينهم بالخصومات والشحناء والحروب والفتنة ونحوها. (2)»
وعندما يئس الشيطان أن يُعبد في جزيرة العرب، رضي بالتحريش بينهم. فهو يسعى لإفساد ذات البين، وإيقاع سوء الظن بين الإخوة، وإشعال نار الغيبة والنميمة، ليهدم صرح الأمة من الداخل.
إنَّ فرقة القلوب هي أعظم هدية يقدمها العبد للشيطان.
ومن شرِّ الشيطان الإفساد بين المؤمنين بكل طريقة وحيلة، فقد نزغ بين يوسف عليه السلام وإخوته، قال تعالى ذاكرًا اعتراف نبي الله يوسف بما مَنَّ الله عليه: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [يوسف: 100].
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: « يَبْعَثُ الشَّيْطَانُ سَرَايَاهُ فَيَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً. (3)»
ثالثا: إدخال الحزن والهم على المؤمن
الشيطان يحب أن يرى المؤمن حزيناً مضطرباً، لأن الحزن يضعف القلب ويثبّط عن الطاعة. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. فيذكّره بذنوبه ليقنّطه من رحمة الله، أو يذكّره بالمصائب ليغرق في الهم، أو يهوّل المستقبل ليملأ قلبه خوفاً. والواجب على المؤمن أن يعلم أن رحمة الله واسعة، وأن الحزن لا يغيّر الواقع، وأن التفويض لله يطمئن القلب.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولم يأت الحزنُ في القرآن إلَّا منهيًّا عنه أو منفيًّا، فالمنهيُّ كقوله تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [آل عمران: 139]، وقولِه: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} في غير موضعٍ، وقولِه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، والمنفيُّ كقوله: {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62].
وسرُّ ذلك أنّ الحزن مُوقِّفٌ غير مُسيِّرٍ، ولا مصلحة فيه للقلب، وأحبُّ شيءٍ إلى الشيطان أن يَحزُن العبدَ ليقطعه عن سيره ويَقِفه عن سلوكه، قال تعالى: {النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10]. ونهى النبيُّ ﷺ الثلاثة أن يتناجى اثنانِ منهم دون الثالث لأنَّ ذلك يحزنه.
فالحزن ليس بمطلوبٍ ولا مقصود، ولا فيه فائدة. وقد استعاذ منه النبيُّ ﷺ فقال: «اللهمّ إنِّي أعوذ بك من الهمِّ والحزن»، فهو قرين الهمِّ... ولكن نزول منزلته ضرورية بحسب الواقع، ولهذا يقول أهل الجنَّة إذا دخلوها: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34]، فهذا يدلُّ على أنّهم كان يصيبهم في الدُّنيا الحزن، كما تصيبهم سائر المصائب التي تجري عليهم بغير اختيارهم. (4)»
رابعاً: ومن مكائد الشيطان التخويف:
يسعى الشيطان دوماً لكسر روح المؤمن من خلال سلاح "الخوف". يخوفه من المستقبل، فيخوف الإنسانَ من طاعة ربه؛ فإذا أراد بذل مالٍ في سبيل الله خوفه بالفقرِ ووعده به، ويخوفه من الناس ليمنعه من قول الحق. قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا} (سورة البقرة: ٢٦٨). وإذا أراد أن يأمر بالمعروفِ، أو ينهى عن المنكر خوَّفه الشيطان من سوء العاقبة. قال سبحانه وتعالى : {إنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].
فإذا استسلم العبد لهذا الخوف، فقد سلمه الشيطان لليأس، واليأس هو مقبرة العمل.
خامساً: الغضب:
فإذا غضب الإنسانُ لعب به الشيطانُ؛ فتنتفخ أوداجه، ويفقد صوابه، ولا أدل على ذلك مما جاء في الصحيحين عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رضي الله عنه قَالَ: « اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِنِّي لَأَعْرِفُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَقَالَ الرَّجُلُ: وَهَلْ تَرَى بِي مِنْ جُنُونٍ؟ (5)»
فعلى المسلم أن يملك نفسه عند الغضب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.» (6)»
ونستكمل في الفائدة التالية بإذن الله تعالى.
لا تنس النشر والمشاركة لتعمّ الفائدة ويعظم الأجر 📢
وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة.
__________
(1) صحيح مسلم (2812)
(2) صحيح مسلم بشرح النووي (60/156).
(3) صحيح مسلم (2813)
(4) مدارج السالكين (2/ 169 : 170)
(5) صحيح البخاري (6048) ومسلم (2610)
(6) صحيح البخاري (6114) ومسلم (2609).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy