خلق الله تعالى الإنسان وابتلاه في هذه الحياة، وجعل له عدواً لا يفتُر عن إضلاله، ولا يملّ من تتبّع خطواته، وهو الشيطان الرجيم. وقد حذّر الله تعالى منه تحذيراً شديداً، وبيّن أنه عدو مبين، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾ [فاطر: 6]، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 17]. وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208].
ومتى غفل العبد عن هذا العدو تسلّل إليه من أبواب شتّى، فأفسد قلبه، وأضعف إيمانه، وجرّه إلى المعصية خطوة بعد خطوة حتى يوقعه في الهلاك. ومن هنا كان من أعظم ما ينبغي على المسلم معرفته: مكائد الشيطان، وكيف يعمل، وما هي طرقه في الإضلال؛ ليحذرها ويتقيها.
وهذه الحربُ الشعواء لا عاصم للمؤمن منها، إلا الاستعانة بالله عز وجل، وكذلك التسلُّح بالعلم النافع والعمل الصالح.
والشرارةُ الأُولَى لهذه الحرب - بين الشيطان وجنده من جهة، وبين أولياء الله وعباده من جهة أخرى - كانت منذ أن خلق الله سبحانه آدم - عليه السلام - {فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْـخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى} [طه: 120]، ومن يومها والحرب سجالٌ بين الشيطان، وبين أولياء الله - تعالى - فتارةً يكون الظهور لجانب الشر، وغالباً تكون الغلبةُ لجانب الخير:
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «وذلك أن الله سبحانه ابتلى هذا الإنسانَ بعدوّ لا يفارقه طرفةَ عين. ينام، ولا ينام عنه. ويغفل، ولا يغفل عنه. يراه هو وقبيلُه من حيث لا يراه. يبذل جهده في معاداته في كل حال، ولا يدع أمرًا يكيده به يقدر على إيصاله إليه إلا أوصله، ويستعين عليه ببني أبيه من شياطين الجنّ وغيرهم من شياطين الإنس. قد نصب له الحبائل، وبغاه الغوائل، ومدّ حوله الأشراك، ونصب له الفِخاخ والشِّباك، وقال لأعوانه: دونكم عدوَّكم وعدوَّ أبيكم، لا يفوتنّكم، ولا يكنْ حظُّه الجنةَ وحظُّكم النارَ، ونصيبُه الرحمة ونصيبُكم اللعنة! وقد علمتم أنّ ما جرى عليّ وعليكم من الخزي واللعن والإبعاد من رحمة الله فبسببه ومن أجله. فابذلوا جهدكم أن يكونوا شركاءنا في هذه البلية، إذ قد فاتنا شركةُ صالحيهم في الجنّة. وقد أعلَمَنا سبحانه بذلك كلّه من عدوّنا، وأمَرَنا أن نأخذ له أهبته، ونعدّ له عدّته.
ولمّا علم سبحانه أنّ آدم وبنيه قد بُلُوا بهذا العدوّ، وأنّه قد سُلِّط عليهم، أمدَّهم بعساكر وجند يلقَونه بها، وأمدّ عدوَّهم أيضًا بجند وعساكر يلقاهم بها(1)».
أول مكائد الشيطان: الوسوسة والتشكيك في العقيدة
الوسوسة: وهي حديث النفس، والصوت الخفي.
يُدخل الشك في الاعتقاد، ويسوّس في القلب نحو الكفر أو الردة، أو يُثير الشكوك في الله ورسوله والقرآن والدار الآخرة.
فمن شره أنه يوسوس للعبد، قال تعالى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ﴾ [الناس: 1-6]
فذكر وسوسته أولًا ثم ذكر محلها ثانيًا وأنها في صدور الناس.
والوسوسة من أعظم مكائد الشيطان، وأشدها شرًا، وأقواها تأثيرًا، وهي أصل كل معصية وبلاء.؛ إذ لا يزال بالإنسان يوسوس له ويشككه حتى يخرجه من عقيدة الإسلام، كما جاء في (الصحيحين) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قال: يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ. (2)»
يبدأ الشيطان غالباً من أخطر موضع في حياة الإنسان، وهو العقيدة، فيلقي الشبهات في القلب، ويزرع الوساوس حول الإيمان بالله، أو القضاء والقدر، أو حكمة التشريع، أو الثواب والعقاب.
فهذه الوساوس إن استقرّت في القلب أفسدت أصل الدين، ولذلك كان علاجها الإعراض عنها، والاستعاذة بالله، والانشغال بالعلم النافع.
عن ابنِ عباس قال: «جاءَ رجُلُ إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إن أحدنا يجدُ في نفسِهِ، يُعرِّضُ بالشَّيءِ، لأَن يكونَ حُمَمَةً [أي: فحمة] أحَبُّ إليه من أن يتكلَّم بِهِ، فقال: "اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ" الحمدُ لله الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسَةِ(3)»
خنزب ووساوس الصلاة: كيف تنتصر عليه؟
ويعرض للناس في صلاتهم ليفسد عليهم عبادتهم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ الْأَذَانَ، فَإِذَا قُضِيَ الْأَذَانُ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا، مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إِنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى، فَإِذَا لَمْ يَدْرِ أَحَدُكُمْ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. (4)»
وسوس الشيطان لأحد الصحابة ليشككه في صلاته.
عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ « أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَِبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا. قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي. (5)»
الخاتمة
إن الشيطان عدو قديم للإنسان، لا ينام ولا يملّ، ويستخدم كل وسيلة لإضلاله، لكن الله تعالى لم يترك عباده دون حماية، بل بيّن لهم طرق الشيطان، وأرشدهم إلى سبل النجاة. فالمؤمن الكيّس هو الذي يعرف عدوه، ويحذر مكائده، ويلجأ إلى ربه دائماً. ومن استعان بالله، وتمسّك بطاعته، ولزم ذكره، لم يضره كيد الشيطان، لأن كيده ضعيف، كما قال تعالى ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]. فاحذروا خطواته، وتمسكوا بحبل الله، واعلموا أن المعركة مع الشيطان مستمرة، وأن الفوز فيها لمن ثبت على طاعة الله حتى يلقى ربه.
اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين، ونعوذ بك ربِّ أن يحضرون. اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، وثبتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.
ونستكمل في الفائدة التالية بإذن الله تعالى.
لا تنس النشر والمشاركة لتعمّ الفائدة ويعظم الأجر 📢
وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة.
__________
(1) الداء والدواء (225: 226)
(2) صحيح البخاري (3276) ومسلم (134).
(3) (صحيح) سنن أبي داود (5112).
(4) صحيح البخاري (1231) واللفظ له ومسلم (389).
(5) صحيح مسلم (2203).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy