حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> تعليمي

أسرار وأثر الكلمة الطيبة

أسرار وأثر الكلمة الطيبة
2026‏/07‏/20
56٬185

ترنو النفوس البشرية دائمًا إلى لفتة حانية، وتترقب كلمة عذبة ترتقي بها نحو آفاق الأمل والنجاح؛ فالألفاظ الحسنة بلسمٌ يداوي الجراح ويشحذ الهمم. 

إن الكلمة الطيبة لا تخرج إلا ممن طاب خلقه وصفا قلبه، وهي مفتاح القلوب المغلقة وجسر المحبة الصادق بين العباد في كل زمان ومكان.

وليس عجيبًا أن يعتني الإسلام بالكلمة هذا الاعتناء العظيم؛ فهي مفتاح القلوب، ورسول المحبة، وعنوان الأخلاق، وميزان العقل، بل قد تكون سببًا في نجاة العبد أو هلاكه؛ 

قال النبي ﷺ: وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ».(1)

ولهذا لم يكن المسلم مأمورًا أن يتكلم فحسب، وإنما أمر أن ينتقي أجمل الألفاظ، وأرق العبارات، وأحسن الأساليب.

 

 أعظم كلمة طيبة... كلمة التوحيد

 

إذا كانت الكلمات الطيبة تتفاوت في فضلها، فإن أعظمها على الإطلاق كلمة الإخلاص:

«لا إله إلا الله».

فهي الكلمة التي بعث الله بها جميع رسله، وأنزل لأجلها كتبه، وخلق الخلق لتحقيقها، وقامت عليها السماوات والأرض.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]

وقال سبحانه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 28] «وهي لا إله إلا الله؛ أي: جعلها دائمة في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله تعالى من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام»(2)

وقد فسر جمهور السلف الكلمة الطيبة في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ [إبراهيم: 24] بأنها كلمة التوحيد، فهي أصل كل خير، ومنها تتفرع جميع الكلمات الصالحة، كما تتفرع الأغصان المثمرة من أصل الشجرة الراسخ.

فإذا عمر اللسان بـ«لا إله إلا الله»، ثم زُيّن بالصدق، والذكر، والدعاء، والنصيحة، والتشجيع، والكلمة الحسنة؛ فقد جمع صاحبه بين حق الله تعالى والإحسان إلى خلقه.

 

📖 التوجيه الرباني لاختيار أحسن الكلام

عند التأمل في كتاب ربنا، نجد منهجًا دقيقًا يحثنا على انتقاء كلماتنا؛ لقد وضع القرآن الكريم منهجًا متكاملًا في آداب الخطاب، فلم يكتف بالأمر بالكلام الحسن، بل أمر باختيار الأحسن.

قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].

 قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: «أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا... فالحسن من القول: تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتحلم وتعفو وتصفح، وتقول للناس حسنًا؛ كما قال الله؛ وهو كل خلق حسن رضيَه الله.» (3)

ثم جاء التوجيه الإلهي يحذرنا سبحانه من مزالق اللسان التي يترصدها الشيطان ليفسد العلاقات؛ فقال عز وجل: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: 53] .

فالشيطان يتلمس من العبد كلمةً عابرةً أو هفوةً غير مقصودة، لينفخ في كير الخصام، ويشعل بها نيران الأحقاد والفرقة بين الأحبة.

 فالقول الحسن داعٍ لكل خلق جميل، ومن ملك لسانه وأحكم عباراته ملك أمر نفسه، وساد مجتمعه بوقاره ومحبته.

{إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ}: أي يسعى بين العباد بما يفسد عليهم دينهم ودنياهم، فاللسان يصنع في المستمع الحب أو البغض، فاختر أحدهما.

إن الشيطان لا يحتاج دائمًا إلى كلمات فاحشة ليوقع العداوة، بل قد تكفي كلمة قاسية، أو عبارة ساخرة، أو تعليق متسرع، لينفخ فيها حتى تتحول إلى خصومة طويلة، وقطيعة مؤلمة، وربما إلى عداوات لا تنتهي.

ولهذا المؤمن يزن كلماته قبل أن ينطق بها، كما يزن التاجر الذهب قبل بيعه.

 

الكلمة الطيبة... صدقة لا تكلف شيئًا

 

من رحمة الله أن جعل أبواب الخير كثيرة، ومنها باب يسير لا يحتاج إلى مال ولا جهد، وإنما يحتاج إلى قلب رحيم ولسان طيب. وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ.» (4)

 

الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار

بل إن النبي ﷺ جعل الكلمة الطيبة سببًا للنجاة من النار فقال:

 

اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ.» (5)

 

أعظم بشائر أهل الطيب من القول

إن في الجنان منازل لأصحاب الكلمات الطيبة، قال ﷺ: إِنَّ في الجنةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُها من باطِنِها، وباطِنُها من ظَاهِرِها. فقال أبو مالِكٍ الأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هيَ يا رسولَ اللهِ ؟ قال : لِمَنْ أَطَابَ الكَلامَ ، وأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وباتَ قائِمًا والناسُ نِيامٌ. (6)

تأمل هذا الفضل العظيم؛ فابتسامة صادقة، أو دعاء مخلص، أو ثناء مستحق، أو مواساة لمهموم، أو تشجيع لمجتهد، كلها تتحول إلى صدقات تكتب في ميزان الحسنات.

فهنيئًا لمن جعل لسانه رطبًا بالكلام الطيب، وأغلق بابه أمام الغيبة والسخرية والسب والتجريح.

 

🏡 الكلمة الطيبة... أساس السكينة في البيوت

إذا كان المجتمع يبدأ من الأسرة، فإن الأسرة تبدأ بالكلمة. فكم من بيتٍ عمرته كلمات الود والرحمة، وكم من بيتٍ تهدمت أركانه بسبب كلمات قاسية خرجت في لحظة غضب.

ولذلك كان أول ما وجَّه الله إليه في برِّ الوالدين هو حسن الخطاب، فقال سبحانه:

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-24]

تأمل كيف خصَّ الله القول الكريم بالذكر، لأن الوالدين قد يفرحهما اللسان اللطيف أكثر مما يفرحهما المال والهدايا. فكلمة شكر، أو دعاء صادق، أو عبارة امتنان، قد تكون عندهما أغلى من كنوز الدنيا.

 

إن أثر الكلمة الطيبة يبدأ من أقرب الناس إلينا؛ من الوالدين اللذين أفنيا عمرهما لأجلنا، فهل نمتثل قوله تعالى: ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]، أم نجرح قلوبًا طالما تألمت لتسعدنا؟

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّكَ، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ أَبُوكَ»(5)

 

الكلمة الطيبة بين الزوجين

 

الزواج لا يقوم على الطعام والشراب وحدهما، بل يقوم على المودة التي تتغذى بالكلمة الطيبة.

فما أجمل أن تستقبل الزوجة زوجها بعبارة تُنسيه عناء يومه، وهموم العمل وضغوطه، ولا تستقبله بعبارات باردة أو عتاب متكرر.

وما أروع أن يهدي الزوج زوجته ثناءً عذبًا يعبر فيه عن تقديره لصنيعها ويشكرها على إحسانها ورعايتها لبيتها وأولادها.

إن كثيرًا من البيوت لا ينقصها الحب، وإنما ينقصها التعبير عن الحب.

وقد كان النبي ﷺ أرقَّ الناس لسانًا مع أهله، يثني عليهم، ويلاطفهم، ويظهر لهم مشاعره، ليعلم الأمة أن الكلمات الطيبة هي من كمال الرجولة وحسن العشرة.

 

الكلمة الطيبة مع الأبناء

 

الطفل الذي يسمع كلمات التشجيع ينمو واثقًا بنفسه، مقبلًا على الخير، محبًا للنجاح.

أما الذي لا يسمع إلا التقريع واللوم والسخرية، فقد يعيش أسيرًا للإحباط سنوات طويلة.

ولذلك كان النبي ﷺ يشجع الصغار، ويدعو لهم، ويغرس الثقة في نفوسهم، حتى أصبحوا قادةً للأمة وهم في ريعان شبابهم.

فالتربية بالتشجيع والرحمة تصنع نجباء، بينما أسلوب التجريح يسقطهم في بحور الفشل. 

 

🤝 الكلمة الطيبة مع الإخوة والأصدقاء

 

من أعظم أسباب دوام المحبة أن يعتاد الإنسان إهداء الكلمات الجميلة لمن حوله.

الثناء الصادق، والدعاء بظهر الغيب، وشكر المعروف، والاعتذار عند الخطأ، كلها كلمات يسيرة، لكنها تحفظ المودة وتغلق أبواب الشيطان.

ولا يحبون منك قسوة الكلمة وجرح المشاعر، فلم لا ترتقي مع إخوتك وأخواتك وتكون خير مثال لهم في إهداء الكلمات الطيبة ؟.

 

💼 أثر الكلمة الطيبة في العمل والمجتمع

 

يمتد سلوك الانتقاء الإيجابي للكلمات إلى بيئة العمل والتعليم والمجتمع الدعوي؛ فالمدير الناجح هو من يبث الإلهام بكلمات التقدير لموظفيه. 

وفي المحاضن التعليمية، يسهم المدرسون والمدرسات بعباراتهم الراقية في تثبيت الطلاب على معالي الأمور وتجنيبهم النقد الهادم.

فهل نحن نسمع من المدرسين والمدرسات عبارات فيها الأدب الراقي والذوق الرفيع والتثبيت على معالي الأمور، أم أن المدرس ينتقي من قاموس كلماته أسوأ الألفاظ وأدنى العبارات ليسقط الطلاب في بحار الفشل والنقد الهادم ؟

في العمل الوظيفي هل يجيد المدير أن يرسل كلمات تحمل الثناء والحب والتقدير للموظف الذي يستحق الإشادة ؟

 

في المجتمع الدعوي نتمنى أن يسمع الناس منا الكلمات الطيبة التي تدل على الرحمة والشفقة بهم.

حتى خطيب الجمعة، ينجح في دعوته عندما ينتقي أجود العبارات المؤثرة التي تلامس واقع الناس وتدفعهم للخير، ويفشل إذا غاب هذا الفن عن منبره أصبحت خطبته باردة ثقيلة.

 

الكلمة الطيبة مع العمال والخدم

إن حسن الخطاب مع من يعملون معنا ليس تفضلًا، بل هو خلق نبوي كريم، يورث المحبة والإخلاص، ويعكس سمو أخلاق المسلم.

 وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ، وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ».(8)

💬 الخاتمة

فلنعزم من الآن على تطهير ألسنتنا من كلمات التجريح والتثبيط، ولنجعل من ألسنتنا مفاتيح للخير والبركة. ساهم في نشر هذه الفائدة بين أهلك وإخوانك؛ فالدال على الخير كفاعله.

نسأل الله أن يجعل ألسنتنا عامرة بذكره، رطبة بطاعته، ناطقة بالحق، وأن يرزقنا الكلمة الطيبة في الدنيا، والثبات عليها عند الموت، والفوز بها يوم نلقاه.

-------------

 (1) سنن الترمذي (2616) هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

 (2) تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي (6/ 571)

 (3) تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي (1/ 475)

 (4) صحيح البخاري (2989) وصحيح مسلم (1009)

 (5) صحيح البخاري (6023)

 (6) (صحيح) أخرجه أحمد (6615)، والطبراني (14687)، والحاكم (1200) واللفظ له (صحيح الترغيب، 946).

 (7) صحيح البخاري (5971)وصحيح مسلم (2548)

 (8) صحيح البخاري (6038).

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/07‏/15
55٬263

📌 كَيْفَ نَجْعَلُ الْقُرْآنَ نَبْضَ حَيَاتِنَا؟

فضل القرآن الكريم وتلاوته، وكيف يكون القرآن شفاءً للقلوب، وسببًا لرفعة الدرجات، وشفاعةً لصاحبه يوم القيامة.

2026‏/07‏/17
67٬539

دقائق.. تزيد الشوق إلى الجنة

رحلة إيمانية تزيد الشوق إلى الجنة، وتذكّر بأعظم نعيمها، وتعينك على السير في الطريق الموصل إليها.

2026‏/07‏/13
60٬962

🌸 بناتُنا.. هبةُ الرحمن وطريقٌ إلى الجنان

هل تعلم أن من أسباب دخول الجنة ومرافقة النبي ﷺ الإحسان إلى البنات وتربيتهن ورعايتهن؟

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software