إنَّ المتأملَ في أحوالِ النَّاسِ اليومَ يرى سَعْيًا حثيثًا وراءَ تأمينِ المعاشِ، وخوفًا متزايدًا من عوادي الزَّمنِ وتقلّباتِ الأيامِ. وفي غمرةِ هذا القلقِ الماديّ، يغفلُ الكثيرونَ عن تجارةٍ رابحةٍ مع اللهِ، شَرَعَها الحقُّ سبحانهُ لتكونَ بابًا لصدق الإيمان وتفريجِ الكروبِ، وزيادةِ الأرزاقِ.
إنها عبادة الصدقة: العطية التي يُبتغى بها الثواب عند الله تعالى، ويتجلّى فضل الصدقة كأحدِ أعظمِ القُرباتِ التي تُصلحُ دنيا العبدِ وتُؤمِّنُ آخرتَهُ.
الصدقة برهانٌ على صدق الإيمان
جُبلتِ النفوسُ البشريّةُ على حُبِّ المالِ والشُّحِّ (1) به، كما قالَ تبارك وتعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128].
وحينَ يخالفُ العبدُ هذا الطَّبعَ ويَبذلُ محبوبَهُ ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ، فإنّهُ يقدّمُ دليلًا عمليًّا قاطعًا على يقينِهِ بما عندَ اللهِ.
ولأجلِ هذا، قالَ النبيُّ ﷺ: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ(2) ؛ أيْ برهانٌ ساطعٌ على صحّةِ إيمانِ العبدِ ويقينِهِ، شريطةَ أن يبتغيَ بها وجهَ اللهِ تعالى، مبتعِدًا عن الرِّياءِ والسُّمعةِ.
ولذلك كانت أعظم الصدقات، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: « أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ؟ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلَْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ. (3)
الصدقات تدخلك الجنة من باب الصدقة:
ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ فِي الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا عَلَى أَحَدٍ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ.(4)
الزوجان: فرسان أو بعيران.
الصدقة حجاب من النار
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: « ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّارَ فَأَعْرَضَ، وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ، ثُمَّ أَعْرَضَ، وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ، فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ»(5)
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».(6)
قال ابن القيم رحمه الله: «الصدقة تفدي العبد من عذاب الله عز وجل؛ فإن ذنوبه وخطاياه تقتضي هلاكه، فتجيء الصدقة تفديه من العذاب، وتَفَكُّهُ منه. ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح لما خطب النساء يوم العيد: "يا معشر النساء تَصدَّقْن ولو من حُليِّكُن؛ فإني رأيتُكُنَّ أكثر أهل النار". وكأنه حثَّهن ورغَّبهن على ما يفدين به أنفسهن من النار.»(7)
فالصدقةُ وقايةٌ من النّارِ ولو كانتْ بيسيرِ العطاءِ.
من فضل الصدقة أنها تضاعف الأجور
من كرمِ اللهِ سبحانهُ وعظيمِ مَنِّهِ أنّه لا يقبلُ الصدقةَ فحسب، بل يتقبّلها بيمينِهِ ويُضاعفُها أضعافًا كثيرةً.
قالَ جلّ وعلا: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّـهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245].
من فضل الصدقة أنها تكفر الخطايا السيئات
كل أعمال الخير التي يبذلها الإنسان يكافئه الله عليها لقوله -تعالى-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]
وقال الله -تعالى- ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 271]
وفي هذا لمحة إيمانية أنّ التصدق سرًا خيرٌ من الجهر بالصدقة وفي كلٍ خير. وإخفاءُ هذهِ الصدقاتِ وإيصالُها للمحتاجينَ سرًّا هو مظنةُ الإخلاصِ والقبولِ وتكفيرِ السيئاتِ
نماء المال ونزول البركة بالإنفاق
يعتقدُ قاصرُ النظرِ أنَّ إخراجَ المالِ يُنقِصُهُ، لكنَّ الحقيقةَ الإلهيّةَ والوعدَ النبويَّ يُثبتانِ عكسَ ذلكَ.
فالصدقةُ سببٌ لنزولِ البركةِ ونماءِ الرّزقِ وخَلَفِهِ من اللهِ، كما قالَ سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: 39]
هذا الإخلاف الرباني وعدٌ قطعي، واليقين بهذا الوعد يجعل المسلم يُنفق وهو "صحيح شحيح" يخشى الفقر ويأمل الغنى، لأنَّه يعلم أنَّ المنفق عليه هو " خَيْرُ الرَّازِقِينَ " الذي بيده خزائن السماوات والأرض.
وهذا النماءُ والبركةُ يحرسهُ دعاءُ ملائكةِ الرحمنِ في كلِّ صباحٍ، يدعونَ بالخلَفِ والزيادةِ لمن بَذلَ، وبالتَّلفِ والنَّقصِ لمن شَحَّ وأمسكَ؛ فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» (8)
بل إنَّ اللهَ يربّي لقمةَ المتصدِّقِ وصدقتَهُ اليسيرةَ حتى يجدَها يومَ القيامةِ عظيمةً كالجبلِ الشّاهقِ.
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ » (9)
وعد من الله بالإنفاق على من أنفق
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: قَالَ اللهُ عز وجل: «أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَقَالَ: يَدُ اللهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ ».(10)
السح: الصب الدائم، ومعنى لا يغيضها شيء: أي لا ينقصها.
فهذا وعد من الله بالإنفاق على من أنفق في سبيل الله، والله تبارك وتعالى لا يخلف وعده.
هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَة
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: «انْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ: هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، هُمُ الْأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قُلْتُ: مَا شَأْنِي أَيُرَى فِيَّ شَيْءٌ، مَا شَأْنِي؟ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ: فَمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَسْكُتَ، وَتَغَشَّانِي مَا شَاءَ اللهُ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: الْأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا»(11)
فلم أتقار: أي لم يمكنني القرار والثبات.
🤝الصدقة سبيل لبناء مجتمع متماسك ومترابط
لا تنحصرُ آثارُ الصدقةِ على الفردِ المتصدِّقِ وحسب، بل تتعدّاهُ لتُسهمَ في صياغةِ مجتمعٍ إسلاميٍّ متضامنٍ تسودُهُ المحبّةُ وتقلُّ فيه الجريمةُ والحسدُ. فالصدقةُ تطهّرُ نفوسَ الأغنياءِ من الشُّحِّ والدَّناءةِ، وبلسمُ لقلوبَ الفقراءِ وتُشعرهم بالانتماءِ والكرامةِ، محقّقةً المقصدَ الشرعيَّ الأسمى في تدويرِ المالِ وتفتيتِ الفقرِ، كما قالَ تعالى: ﴿خُذ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].
فإذا استشعر الغني أنَّ في ماله ﴿حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24-25]، اندثرت بذور الحسد والبغضاء من قلوب الفقراء، وحلَّ مكانها الحب والتآخي.
عندما يسدُّ الغنيُّ خَلّةَ الفقيرِ، يتلاشى البغضاءُ والغلُّ، وتتحقّقُ الأخوّةُ الإيمانيّةُ الصادقةُ التي ركَّزَ عليها النبيُّ ﷺ منذُ الأيامِ الأولى لتأسيسِ مجتمعِ المدينةِ المنورةِ من خلالِ المؤاخاةِ والتكافلِ العمليّ.
الصدقة تبني جسور الثقة بين طبقات المجتمع؛ فالمتصدق ينفع نفسه بصدقته أكثر من نفع الفقير بالمال؛ فالمتصدق ينال التيسير في الدنيا والآخرة، كما قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: « مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ. (12)
وبذلك يتحول المجتمع من جزر منعزلة إلى بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً.
🤍 خاتمة: دعوة للبذل والعطاء
أخي القارئَ الكريمَ، يا من ترجو ظل العرش وسعة الرزق وسلامة البدن؛ بادر بالصدقة ولو بشق تمرة، فربَّ درهمٍ سبق مائة ألف درهم بالإخلاصِ والنيّةِ الصالحةِ. فلنبادرْ اليومَ قبلَ الغدِ.
اجعل لنفسك خبيئة من عمل صالح، وصدقةٍ خفيّةٍ ترجو بها ظلَّ الرحمنِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ، وتصدق في سرك وجهرك، فما نقص مال من صدقة، وما أنفقت من شيء فهو يخلفه.
ولنحرصْ على أن نكونَ مفاتيحَ للخيرِ في مجتمعاتِنا بنشرِ هذهِ المعاني الإيمانيّةِ ومشاركتِها معَ الأهلِ والأصحابِ؛ فالدالُّ على الخيرِ كفاعِلِهِ. نسألُ اللهَ أن يتقبّلَ منّا ومنكم صالحَ الأعمالِ، ويرزقَنا الإخلاصَ في القولِ والعملِ.
-------------
(1) الشُّحَّ: هو شدة الحرص على الشيء، والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجَشَعُ النفس عليه. الوابل الصيب (ص75)
(2) صحيح مسلم (223)
(3) صحيح مسلم (1032)
(4) صحيح البخاري (1897) ومسلم (1027)
(5) صحيح البخاري (6540) ومسلم (1016)
(6) صحيح البخاري (7512) ومسلم (1016).
(7) الوابل الصيب (ص71)
(8) صحيح البخاري (1442)
(9) صحيح البخاري (1410)
(10) صحيح البخاري (4684) مسلم (993).
(11) صحيح البخاري (6638)، وصحيح مسلم (990)
(12) صحيح مسلم (2699)








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy