كم نجلس كل يوم مع أهلنا، وأقاربنا، وأصحابنا، وزملائنا، فنتبادل الأحاديث، وتمضي الساعات، ثم ينفضُّ المجلس في الغفلة، وقد أرشد النبي ﷺ إلى سنن عظيمة قد يغفل عنها كثير من الناس، تُبارك المجلس، وتُعظِّم الأجر، وتمحو الزلل، وتُعين المسلم على اغتنام كل لحظة فيما يُرضي الله تعالى.
وما أحوج المسلمين اليوم إلى إحياء هذه السنن النبوية في المجالس؛ حتى تتحول لقاءاتهم اليومية إلى مجالس ذكر، ومواطن رحمة، ورياض من رياض الجنة، بدل أن تكون سببًا للحسرة والندامة يوم القيامة.
أولًا: السلام عند الدخول والانصراف
كثير منا يسلم عند الدخول ويغفل عن السلام عند الانصراف، ومن السنن التي هجرها كثير من الناس في المجالس أن يُسلِّم المسلم عند دخوله، ويسلم عند قيامه وانصرافه؛ لأن كلا السلامين عبادة مستقلة.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ»(1)
إن إحياء هذه السنة يغرس المحبة بين المسلمين، ويختم اللقاء كما بدأه بالسلام، وهو من شعائر الإسلام الظاهرة.
🌸 ثانيًا: تعمير المجلس بذكر الله والصلاة على النبي ﷺ
المجالس التي تخلو من ذكر الله تعالى مجالس ناقصة البركة، ولو امتلأت بالحديث المباح؛ لذلك رغَّب النبي ﷺ في أن يظل اللسان رطبًا بذكر الله والصلاة عليه.
فاحرص ألا يخلو مجلسك من ذكر الله لتأمن ندامة القيامة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال:
«مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ»(2)
والتِّرَة هي: الحسرة والنقص والتبعة.
فما أجمل أن يبدأ أحد الجالسين بذكرٍ أو تسبيح، أو يذكِّر الحاضرين بالصلاة على النبي ﷺ، فيتحول المجلس إلى مجلسٍ مبارك تنزل فيه الرحمة وتحفه الملائكة.
🤲 ثالثًا: الدعاء بالدعوات الجامعات قبل القيام
كان من هدي النبي ﷺ أنه لا يكاد يقوم من مجلسه حتى يدعو لأصحابه بدعوات عظيمة جمعت خير الدنيا والآخرة.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ:
«اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ اليَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا»(3)
وهذه الدعوات مدرسة تربوية متكاملة؛ إذ تجمع سؤال الإيمان، والثبات، والعافية، والنصر، وحسن الخاتمة، فينبغي للمسلم أن يحفظها ويُحييها في مجالسه مع أهله وإخوانه.
🌼 رابعًا: الإكثار من الاستغفار في المجلس .. سُنَّةٌ نبويةٌ مهجورة
كان رسول الله ﷺ، وهو المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يُكثر من الاستغفار في مجلسه، فكيف بحالنا نحن؟
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:
كَانَ تُعَدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي المَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ:
«رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ»(4).
وفي رواية
«رَبِّ اغفِر لي وتُب علىَّ، إنَك أنتَ التَّوابُ الرحيم»(5)
فالاستغفار يجبر التقصير، ويطهر القلب، ويزيد العبد قربًا من ربه، وهو من أعظم ما يُختم به المجلس.
🛡️ خامسًا: كفارة المجلس
البلسم الشافي لكل لغط أو لغو قد يقع منا دون قصد.
لا يكاد يخلو مجلس من لغو، أو كلمة لا فائدة منها، أو مزاح زائد، فجعل الله لنا علاجًا نبويًا يمحو أثر ذلك كله.
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَا مِنْ إِنْسَانٍ يَكُونُ فِي مَجْلِسٍ، فَيَقُولُ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ »(6)
إنها كلمات يسيرة، لكنها عظيمة الأثر، تمحو ما وقع في المجلس من لغو أو تقصير بإذن الله تعالى.
🎯 كيف نُحيي هذه السنن عمليًا؟
ليس المقصود معرفة هذه السنن فحسب، بل العمل بها ونشرها بين الناس، ومن اليوم لا نفارق مجلسًا إلا وقد عطرناه بواحدة من هذه السنن العظيمة، ولنجعل ألسنتنا رطبة بذكر الله والاستغفار.
ومن الوسائل العملية لذلك:
أن نبدأ كل مجلس بالسلام ونختمه بالسلام.
أن نُكثر من ذكر الله والصلاة على النبي ﷺ أثناء اللقاء.
أن نحفظ الدعاء الجامع الذي كان النبي ﷺ يدعو به أصحابه.
أن لا نغادر المجلس حتى نقول كفارة المجلس.
أن نُعلِّم أبناءنا وأهلنا هذه السنن حتى تصبح شعارًا في بيوتنا ومجالسنا.
«الذكر للقلب مثل الماء للسمك فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ .(7)»
خاتمة
إن السنن النبوية في المجالس ليست أعمالًا شاقة، وإنما دقائق معدودة تُضاعف الأجور، وتُبارك الأوقات، وتُطهِّر الصحائف، وتُعين العبد على اغتنام عمره فيما ينفعه.
فلنحرص من اليوم على أن يكون كل مجلس نجلسه شاهدًا لنا لا علينا، ولنُحيِ هذه السنن المهجورة في بيوتنا، ومجالسنا، وأماكن أعمالنا، ولندلَّ عليها غيرنا؛ فإن الدال على الخير كفاعله، ومن أحيا سنةً من سنن النبي ﷺ كان له من الأجر بقدر من عمل بها.
وصلِ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
هل انتفعت بهذه الفائدة؟ أخبرنا في التعليقات🌱

----------------
(1) (صحيح) سنن أبي داود (5208)، وسنن الترمذي (2706).
(2) (صحيح) سنن الترمذي (3380).
(3) (حسن) سنن الترمذي (3502).
(4) (صحيح) سنن الترمذي (3434).
(5) (صحيح) سنن أبي داود (1516).
(6) مسند أحمد (ط الرسالة) بإسناده صحيح (15729).
(7) الوابل الصيب (ص42).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy