حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> تعليمي

⚽بين صافرة المباريات ونداء الصلاة

⚽بين صافرة المباريات ونداء الصلاة
2026‏/06‏/22
66٬159

في مواسم المباريات الكبرى، ومع اشتداد الحماس ومتابعة أخبار الفرق واللاعبين، ينشغل كثير من الناس بالساعات الطويلة أمام الشاشات، حتى أصبح بعضهم يضبط يومه وليلته على مواعيد المباريات. 

وليس المقصود ذمَّ الرياضة أو الترفيه المباح، فالأصل فيهما الإباحة، ولكن الخطر كل الخطر حين تتحول المباراة إلى أولوية تُقدَّم على أوامر الله تعالى، أو تصبح سببًا في تضييع الصلوات والأوقات. 

وهنا ينبغي للمسلم أن يقف مع نفسه وقفة صادقة، يسأل فيها: ما قيمة فوز فريق إذا كان الثمن خسارة الأجر والقرب من الله؟

 

 الوقت رأس مال المؤمن⏳

إذا عرف الإنسان قيمة شيء وأهميته حرص عليه وعزَّ عليه ضياعه وفواته، ومن أعظم نعم الله على العبد نعمة الوقت، فهو وعاء الأعمال ومزرعة الآخرة، وهو عمر الإنسان في هذه الحياة، وهو رأس ماله الذي يجب أن يحافظ عليه محافظةً تامةً.

ولذلك أقسم الله تعالى به في آيات كثيرة، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [سورة العصر]. وقال: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: 1]، وقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: 1].

ولم يكن هذا القسم إلا تنبيهًا لعظم شأن الزمن وخطورة التفريط فيه.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ(1).»

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله:

«ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم الأفضل فالأفضل من القول والعمل. (2) » 

«وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ. (3)»

أهمية الوقت وقيمة الزمن

وجاءت السنة الصحيحة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسئول عنه يوم القيامة، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ»(4)

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: 

«وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضّنْك في العذاب الأليم، وهو يمرّ أسرع من مرّ السحاب. فما كان من وقته لله وبالله، فهو حياته وعمره. وغير ذلك ليس محسوبًا من حياته.(5) »

لذلكَ كانُوا لا يندمُونَ إلَّا على فواتِ الوقتِ الذي لم يرفعْهُم درجةً، قال ابنُ مسعودٍ: ما نَدمتُ على شيءٍ نَدمِي على يومٍ غَربتْ شمسُهُ، نقصَ فيهِ أجلِي، ولم يزددْ فيهِ عملِي.

وقد قيل: «الوقت المفقود لا يُشترى بالنقود، وأمس لا يُرَدّ وغدًا ليس في اليد، كثير من الناس يظنون أنهم يقتلون الوقت، ولكن الوقت هو الذي يقتلهم». 

والمؤلم أن بعض الناس قد يقضي ساعات طويلة في متابعة التحليلات والأخبار والإعادات، ثم يستثقل دقائق معدودة يقرأ فيها القرآن أو يذكر الله أو يطلب علمًا نافعًا.

 

 حين تزاحم المباراة وقت الصلاة 🕌

إن أخطر ما يقع فيه بعض المتابعين للمباريات ليس مجرد ضياع الوقت فقط، بل تأخير الصلاة عن وقتها أو التفريط في صلاة الجماعة بسبب متابعة مباراة أو انتظار هدف.

وقد مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)﴾ [النور: 37-38]

فإذا كانت التجارة والأموال، وهي من ضروريات الحياة، لا يجوز أن تشغل المسلم عن الصلاة، فكيف بمباراة أو ترفيه مؤقت؟

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا(6).

ولا يجوز تأخيرُ الصلاة حتى يخرج وقتها بحال. 

وتأمل حال بعض الناس؛ إذا اقترب موعد المباراة جلس قبلها بوقت، وأغلق عليه باب الانشغال، وربما انتظر صافرة البداية بدقائق طويلة، لكنه إذا سمع المؤذن ينادي: "حي على الصلاة، حي على الفلاح" تثاقل أو أخَّر أو جمع بين الصلاتين بلا عذر.

فأي الأمرين أولى بالتعظيم في قلب المسلم؟

 

 اختلال الأولويات وخسارة الميزان ⚖️ 

من علامات ضعف الإيمان أن يفرح العبد بأمور الدنيا أكثر من فرحه بالطاعة والقرب من الله.

فتجد بعض الشباب يحزن أيامًا بسبب خسارة فريقه، ويعيش فرحة عارمة إذا انتصر، بينما لا يشعر بمثل ذلك عند محافظته على صلاة الفجر أو ختمه للقرآن أو حضوره مجلس علم.

وهذا لا يعني تحريم الفرح بالمباحات، وإنما المقصود تصحيح ميزان الاهتمامات.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]

فالفرح الحقيقي هو الفرح بالإيمان والطاعة والهداية. 

ولو أن مباراة تزامنت مع اختبار مصيري أو مقابلة عمل مهمة، لوجدت كثيرًا من الناس يؤجلون المشاهدة أو يكتفون بالملخصات، حرصًا على مصالحهم الدنيوية.

فلماذا لا يكون حق الله أولى بالمراعاة من كل شيء؟

 

صلاة الفجر .. وفتح تُسْتَرَ

في فتح تُسْتَر اشتد القتال بين المسلمين وأعدائهم حتى عجز الصحابة عن أداء صلاة الفجر في وقتها، فلما صلوها بعد ارتفاع النهار.

 قال الإمام البخاري رجمه الله في صحيحه: «قَالَ أَنَسٌ حَضَرْتُ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ نُصَلِّ إِلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى فَفُتِحَ لَنَا وَقَالَ أَنَسٌ وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلَاةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا(7)»

تأمل! لم يكن سبب التأخير مباراة ولا لهوًا، بل جهادًا وفتحًا من أعظم فتوحات المسلمين، ومع ذلك بقي في نفوسهم ألم فوات الصلاة في وقتها.

أما اليوم، فقد يؤخر بعض الناس الصلاة أو يترك الجماعة لأجل متابعة مباراة أو انتظار هدف! ⚽

وقال حاتم الأصم: 

«فاتتني مرة صلاة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف نفس لأن مصيبة الدين عند الناس أهون من مصيبة الدنيا. (8)» 🌱

 

الترفيه المباح له ضوابط

الشريعة لم تمنع الترويح عن النفس بالوسائل المباحة، فإن النفس لا تقوى على إلزامها بالجِدِّ طوال أوقاتها، وإن القلوب إذا كلَّت عميت. 🌱

لكن الترفيه يتحول إلى مذموم إذا أدى إلى:

 تضييع الصلاة أو تأخيرها.

 ترك الواجبات الأسرية أو الوظيفية.

 السهر المفرط المؤدي إلى تفويت صلاة الفجر.

 التعصب والخصومات والشحناء.

 إهدار الساعات الطويلة فيما لا يعود بالنفع.

ولهذا كان المسلم العاقل يجعل دينه قائدًا لهواه، لا يجعل هواه قائدًا لدينه.

 

الخسارة الحقيقية ليست في المباريات

إن خسارة فريقك المفضل قد تحزنك دقائق أو ساعات، ثم تنساها مع مرور الأيام، أما خسارة الصلاة والأجر والحسنات فهي خسارة أعظم وأبقى.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: 2-3]

فالعبرة ليست بمن سجل هدفًا، ولا بمن رفع كأسًا، وإنما بمن خرج من دنياه وقد حفظ صلاته، وعمر وقته بطاعة ربه، وقدم لنفسه ما ينفعه يوم يقف بين يدي الله تعالى.

 

 خاتمة

قبل أن تبدأ المباراة القادمة، اسأل نفسك: هل صليت؟ هل أديت حق الله قبل متابعة ما تهواه النفس؟ هل سيكون هذا الوقت شاهدًا لك أم عليك يوم القيامة؟

فاحرص على أن تكون المباريات في مكانها الصحيح: ترفيهًا مباحًا لا يزاحم الفرائض، ولا يسرق الأوقات، ولا يفسد الأولويات.

📢 انشر هذه التذكرة بين أهلك وأصحابك، فالدال على الخير كفاعله، ولعل كلمة صادقة تكون سببًا في محافظة مسلم على صلاته ووقته، فيفوز فوزًا لا خسارة بعده.

⚽لا تجعل المباراة تُنسيك الصلاة، فالفوز الحقيقي عند الله 🕌

في فتح تُسْتَر اشتد القتال بين المسلمين وأعدائهم حتى عجز الصحابة عن أداء صلاة الفجر في وقتها، فلما صلوها بعد ارتفاع النهار قال أنس بن مالك رضي الله عنه: «وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها».🌱

تأمل! لم يكن سبب التأخير مباراة ولا لهوًا، بل جهادًا وفتحًا من أعظم فتوحات المسلمين، ومع ذلك بقي في نفوسهم ألم فوات الصلاة في وقتها.

أما اليوم، فقد يؤخر بعض الناس الصلاة أو يترك الجماعة لأجل متابعة مباراة أو انتظار هدف! ⚽

قال حاتم الأصم رحمه الله: 

🌱 فاتتني مرة صلاة فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف نفس لأن مصيبة الدين عند الناس أهون من مصيبة الدنيا. 

⏳ فاحرص أن تكون الصلاة أول اهتماماتك، واجعل كل شيء بعدها، فالفوز الحقيقي ليس في الملعب، بل في المحافظة على الصلاة ورضا الله تعالى. 🌿🕌

وصلِ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

هل انتفعت بهذه الفائدة؟

------------

(1) صحيح البخاري (6412).

(2) صيد الخاطر (ص33)

(3) أدب الدنيا والدين (ص55)

(4) سنن الترمذي (2417) وقال الترمذي: «حسن صحيح».

(5) الداء والدواء (ص358، 359)

(6) صحيح البخاري (527)، ومسلم (85).

(7) صحيح البخاري معلقا (2/ 15)

(8) الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 238)

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/06‏/21
104٬432

فضائل وأحكام شهر الله المحرم ويوم عاشوراء

مقال دعوي لفضائل شهر الله المحرم وأحكامه. وفضل صيام يوم عاشوراء، مع برنامج عملي متكامل لاغتنام هذه الأيام المباركة.

2026‏/06‏/18
33٬195

مأساة القعقاع وواجب حفظ النفس

مأساة سبايدرمان اليمن درس مؤثر في حفظ النفس، يبيّن حرمة التهور وخطورة تعريض الأرواح للهلاك في ميزان الشريعة الإسلامية.

2026‏/06‏/16
59٬373

الأسرة السعيدة في ظلال الإسلام

أسرار الأسرة السعيدة، دليلك الشامل لبناء بيت تظلله السكينة والمودة، وتغشاه الرحمة بعيدًا عن ضغوط الحياة.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software