هل تأملت يومًا في نعمة الاستيقاظ؟ إنها حياة جديدة تُوهَب لك، وفرصة أخرى للسجود والذكر والتوبة.
الاستيقاظ من النوم أول اختبار عملي لصدق العبودية. فكما ينام العبد على ذكرٍ أو غفلة، يستيقظ على نورٍ أو حرمان. وقد جعل الإسلام لحظة الاستيقاظ ميدانًا للتوحيد، وتجديد العهد مع الله تعالى، واستحضار نعمة الحياة بعد الموتة الصغرى؛ قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ الأنعام: 60.
فكم من غافلٍ قام من نومه إلى دنيا، وكم من موفَّقٍ قام من نومه إلى الله.
ومن هنا جاءت السنن النبوية في الاستيقاظ من النوم، لتُنشئ مسلمًا واعيًا، يبدأ يومه بذكر، ويتحرّك على بصيرة، ويُدشِّن نهاره بطاعة.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ»[1].
هذا الحديث العظيم يرسم لنا خارطة طريق واضحة. فإما أن تفكّ عُقد الشيطان بالذكر والوضوء والصلاة، فتصبح "نشيطًا طيّب النفس"، وإما أن تستسلم لها فتصبح "خبيث النفس كسلان". فبأي حال تحب أن تستقبل عطاء الله في يومك الجديد؟
سنن وآداب الاستيقاظ من النوم
لنرتب معًا هذه الآداب المباركة كما فعلها حبيبنا ﷺ، خطوة بخطوة، لتكون بداية يومك بداية إيمانية تفيض بالبركة.
استحضار نعمة الإحياء وذكر الاستيقاظ
بمجرد أن تفتح عينيك، وقبل أن يشغلك أي شاغل، اجعل أول ما ينطق به لسانك هو حمد الله الذي أحياك بعد أن أماتك.
عَنِ الْبَرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ « كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ قَالَ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَحْيَا وَبِاسْمِكَ أَمُوتُ وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَمَا أَمَاتَنَا، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ .»[2].
وهذا الذكر يرسّخ عقيدة التوحيد، ويُذكّر العبد أن حياته بيد الله، وأن يقظته ليست حقًا مكتسبًا، بل نعمة متجددة تستوجب الشكر.
وفيه إشارة إلى أن النوم مثل الموت في انقطاع الأعمال، والبعث مثل الاستيقاظ، وتذكير بالآخرة من أول لحظة في اليوم، ويذكّرنا بهدف وجودنا،
2. مسح أثر النوم عن الوجه
هي حركة بسيطة لكنها تحمل معنى النشاط وطرد الكسل، واتباعًا لهدي النبي ﷺ.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه بات عند النبي ﷺ، قال: «فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ»[3].
3. السواك عند الاستيقاظ
لتطهير الفم واستعدادًا لذكر الله وقراءة القرآن، كان النبي ﷺ يبدأ بالسواك.
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ»[4].
السواك عند الاستيقاظ من النوم من السنن المؤكدة، لأن الفم يتغير من النوم، فيطيبه الإنسان بالسواك استعدادًا للعبادة من صلاة وقراءة قرآن.
4. غسل اليدين ثلاثًا قبل إدخالهما في الإناء
من آداب الاستيقاظ المتعلقة بالطهارة: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، خاصة بعد نوم الليل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: « إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ .»[5].
وفي هذا الحديث تعليم للأمة النظافة قبل العبادة.
5. الاستنثار ثلاثًا عند الاستيقاظ (غسل الأنف)
هذه السنة لها حكمة عظيمة في طرد ما قد يعلق بالأنف من أذى، وخاصة من الشيطان.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ.»[6].
6. الوضوء والصلاة:
مفتاح النشاط وطيب النفس بعد هذه المقدمات المباركة، يأتي مفتاح اليوم الحقيقي: الوضوء والصلاة، لفك عُقد الشيطان تمامًا.
المبادرة إلى الوضوء بعد الاستيقاظ من السنن المرغَّب فيها، لما في ذلك من الاستعداد للصلاة، وحصول النشاط، وزوال آثار النوم، ولأن العبد إذا طهَّر ظاهره كان ذلك أعون له على طهارة باطنه وذكر ربه.
كما في حديث "يعقد الشيطان" السابق، فإن الوضوء يحل العقدة الثانية، والصلاة تحل العقدة الثالثة. وأفضل ما يُصلَّى بعد الاستيقاظ هو سنة الفجر القبلية، ثم صلاة الفجر التي هي "خير من الدنيا وما فيها".
قال ابن القيم رحمه الله: «ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية والنوازل، ويفسد اللون، ويورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة، وأردؤه نوم أول النهار»[7].
فالبكور والنشاط بعد صلاة الفجر هو أساس اليوم المبارك.
7. الدعاء عند سماع صياح الديك
إذا استيقظت على صياح الديك، فهي فرصة أخرى للدعاء والفضل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا.[8] »
البركة في البكور: سر النجاح في الدنيا والآخرة
عن صخر الغامدي، عن النبي ﷺ، قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها"، وكان إذا بعث سرية، أو جيشا بعثهم من أول النهار.»[9].
وهذا الحديث أصل عظيم في استثمار وقت الصباح في الطاعة والعمل.
فاجعل استيقاظك بداية طريقك إلى الله
إن دقائق الاستيقاظ الأولى هي أخطر دقائق يومك، فاحرص على هذه السنن، فإنها يسيرة على من يسّرها الله عليه، عظيمة الأثر في القلب والحياة.
الخاتمة:
إن تطبيق هذه السنن ليس مجرد أفعال نؤديها، بل هو استشعار لمعية الله منذ اللحظة الأولى. إنها رسالة نرسلها لأنفسنا بأن يومنا هذا لله، وأننا نبدأه بقوة وعزيمة، متسلحين بذكر الله، متطهرين بوضوئنا، منطلقين بنشاط بعد صلاتنا.
فاحرص على هذه البداية، وجاهد نفسك عليها، وسترى أثرها بركةً في وقتك، وطمأنينة في قلبك، وتوفيقًا في عملك. جعلنا الله وإياك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم اجعلنا من الذاكرين لك، القائمين بطاعتك آناء الليل وأطراف النهار، وبارك لنا في أعمارنا وأوقاتنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] صحيح البخاري (1142) ومسلم (776).
[2] صحيح البخاري (6324) ومسلم (2711).
[3] صحيح مسلم (763).
[4] صحيح البخاري (245) ومسلم (255).
[5] البخاري (162) ومسلم (278).
[6] صحيح البخاري (3295) ومسلم (238).
[7] زاد المعاد (4/ 221).
[8] صحيح البخاري (3303) ومسلم (2729).
[9] سنن أبي داود (2606).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy