حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> تعليمي

مأساة القعقاع وواجب حفظ النفس

مأساة القعقاع وواجب حفظ النفس
2026‏/06‏/18
33٬137

تمضي الأيام حافلةً بالأحداث والمتغيرات، لكنَّ بعض الوقائع تبقى راسخةً في الذاكرة، عظيمةَ الأثر في النفوس؛ لأنها تهزُّ القلوب، وتعيد تشكيل النظرة إلى الحياة، وتذكِّر الإنسان بضعفه وعجزه، وحاجته الدائمة إلى ربِّه جلَّ وعلا.

في يوم الجمعة السابع والعشرين من ذي الحجة سنة 1447هـ، الموافق الثاني عشر من يونيو 2026م، استفاقت القلوب على فاجعةٍ موجعةٍ نزل وقعُها كالصاعقة، وأثقلت النفوسَ بالحزن والأسى؛ حيث تناقلتِ الأنباءُ مأساة الشاب اليمني المغامر «قَعْقَاع بن عَنْتَر العَبْسِي»، الذي عُرِف بين محبيه ومتابعيه بلقب "سْبَايْدَرْمَان اليَمَن".

 هذا الشاب المفعم بالفتوة والحيوية، الذي اعتاد تسلق الجبال الشاهقة والمواقع الوعرة بخفةٍ ومهارة، زلّت قدمه في لحظةٍ خاطفة، ليسقط في فوهةٍ بركانيةٍ خامدةٍ سحيقة في منطقة «حَرْضَة دَمْت» بمحافظة الضالع جنوب اليمن، ليلقى حتفه في مشهدٍ مروعًا وثّقته الكاميرات، وتناقلته الشاشات.

إن هذه الحادثة تعيد إلى الواجهة قضية عظيمة أكدت عليها الشريعة، وهي قضية حفظ النفس، ذلك المقصد الكبير الذي جاءتِ الأحكامُ كلها برعايته وصيانته.

 حفظ النفس من أعظم مقاصد الشريعة

جاء الإسلام بحفظ الضرورات الخمس التي لا تستقيم حياة الناس إلا بها، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله- «فقد اتفقت الأمة -بل سائر الملل- على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس -وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل- وعلمها عند الأمة كالضروري»(1).

وقد احتلّ حفظ النفس المرتبة الثانية مباشرة بعد حفظ الدين؛ لأن هذه الروح التي تسري في جسدك ليست مِلكًا خالصًا لك تتصرف فيها كيف تشاء، بل هي (وديعةٌ ربانية) وأمانةٌ غاليةٌ استودعك الله إياها، وأمرك برعايتها، وحرّم عليك التفريط فيها أو تعريضها للتلف والهلاك.

النهي عن إلقاء النفس في التهلكة

لقد عظّم الله تعالى شأن النفس الإنسانية، فقال سبحانه:

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29] 

وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] أي «لا تتسببوا - بتهاونكم وغفلتكم - في إلقاء أنفسكم بأيديكم إلى الهلاك.»

والتهلكة لفظ عام في كل فعل يؤدي إلى الهلاك في الدين أو الدنيا.

فكل تصرف يغلب على الظن أنه يؤدي إلى إزهاق النفس أو تعريضها لخطر جسيم يدخل في معنى النهي الوارد في الآية.

وفي الحديث «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.» (2).

ومن حق النفس أن تُصان من الأخطار غير المحسوبة، وأن تُحمى من أسباب الهلاك.

إن المسلم مأمور بالأخذ بالأسباب، لا بتعمد تعريض نفسه لما يغلب على الظن وقوع الضرر منه.

«عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَضَى أَنْ: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(3).

وهذا الحديث أصل عظيم في الشريعة، يدل على منع كل ما يوقع الضرر بالنفس أو بالغير.

 

 إن جسدك، وصحتك، وشبابك، نِعَمٌ ستُسأل عنها بين يدي الجبار جل جلاله يوم القيامة. 

تأمل معي هذا التوجيه النبوي العظيم، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ»(4).

وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، فهل يرضى المؤمن أن يُبلي جسده في مغامرةٍ متهورةٍ لا طائل من ورائها؟! 

لقد جاء النص القرآني قاطعًا في النهي عن هذا العبث بالأرواح، لذا قرر الفقهاء أن من صعد مكانًا شاهقًا يغلب على الظن السقوط منه دون توفير وسائل الأمان والحماية الكافية، أو دخل في سيلٍ جارف، أو استعرض بمركبته (التفحيط) استعراضًا مميتًا؛ فهو عاصٍ لله مرتكبٌ لكبيرةٍ من الكبائر؛ لأنه تجرأ على إلقاء النفس في مهلكةٍ محققة.

كما حذر السلفُ الصالحُ من تعريض النفس للخطر؛ قال الإمام ابن الجوزي -رحمه الله-: «ليس للآدمي أعز من نفسه، وقد عجبت ممن يخاطر بها، ويعرضها للهلاك! والسبب في ذلك قلة العقل، وسوء النظر.. وهؤلاء إذا تلفوا.. ذهبت النفس التي يراد المال لأجلها»(5).

كم من إنسانٍ عرَّض نفسه للخطر طلبًا للشهرة، أو إعجاب الناس، أو تحقيق سبقٍ يُتداول بين الخلق أيامًا ثم يُنسى!

 

ميزان الفصل: المغامرة المحمودة أم المجازفة المذمومة؟ 

الإسلام لا يحارب الرياضة، ولا يمنع الاستكشاف، ولا يرفض المغامرات النافعة.

بل إن القوة البدنية والمهارات النافعة من الأمور المحبوبة شرعًا.

 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ.»(6).

لكن الفرق كبير بين المغامرة المنضبطة والمغامرة المهلكة.

المغامرة المشروعة: تقوم على دراسة المخاطر، وتوفير كافة وسائل السلامة، وتكون نسبة الخطر فيها ضئيلةً ومحتملة. كالتسلق الاحترافي مع مدرب ومعدات حماية، فهذا جائزٌ شرعًا.

يا أخي المغامر، تذكر وعيد النبي ﷺ: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.»(7).

ومع أن السقوط خطأ في الاستعراض لا يأخذ حكم تعمد الانتحار، إلا أنه يحمل إثم التفريط والتعريض للهلاك إن قصر في أخذ أسباب النجاة

ألم الفراق: 

لقد كان قعقاع يكتب ذكريات الزوار على حافة الفوهة مقابل مبلغ بسيط يطعم به أسرته، فكان يسعى لرزقهم بما فيه هلاكه.

يا شباب الأمة، وراءكم بيوتٌ تُبنى على وجودكم، وآمالٌ تُعلق على نجاحكم.

 قال النبي ﷺ: « أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ »(8). 

فمن المسؤولية تجاه أهلك أن تحفظ نفسك لهم، لا أن تتركهم للوعة الفراق بسبب لحظة طيش أو استعراض زائف.

 إن زوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم، فكيف بمن يعرض نفسه للقتل العبثي المجاني؟!

 

موقف المسلم عند وقوع المصائب

حين نسمع بمثل هذه الحوادث المؤلمة فإن الواجب الشرعي أن ندعو للميت بالرحمة والمغفرة، وأن نتعظ بالحدث، وأن نتجنب الخوض فيما لا نعلم.

قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: 11]

وعن ابن عُمر، قال: قال رسولُ الله ﷺ: «اذكُرُوا مَحاسِنَ موتاكم، وكُفُّوا عن مَساويهم» (9).

خاتمة ودعوة للعمل والتدبر 

إن مأساة "سبايدرمان اليمن" تذكّرنا جميعًا بأن الحياة نعمة عظيمة، وأن النفس ليست ملكًا لنا، بل أمانة استودعنا الله إياها.

وحفظ النفس ليس خيارًا شخصيًا، بل واجب شرعي ومقصد عظيم من مقاصد الإسلام.

أخي الشاب، يا من وهبك الله صحةً في البدن، وقوةً في العضلات، وشغفًا بالمغامرة والتحدي: استخدم نعم الله في طاعته. استثمر هذه اللياقة في رياضاتٍ نافعةٍ آمنة، تُعينك على طاعة ربك، وخدمة أهلك ومجتمعك. تجنب مواطن الخطر، وابتعد عن كل استعراضٍ الغاية منه تصفيق البشر وتكثير المتابعين على حساب دينك وعمرك.

استثمر قوتك فيما ينفعك في دينك ودنياك، ولا تكن ممن عرضوا أنفسهم للتلف ليمدحوا بزعمهم، فإذا تلفوا ذهبت النفس التي يُراد المدح لأجلها.

فلنراجع قراراتنا، ولنحاسب أنفسنا قبل الإقدام على أي تصرف قد يعرّضنا للخطر، ولنتذكر دائمًا أن المؤمن يجمع بين الشجاعة والحكمة، وبين الطموح والبصيرة.

لنجعل من مأساة قعقاع العبسي -رحمه الله- نقطة تحولٍ وصرخةَ إيقاظٍ لآلاف الشباب المفتونين بالاستعراضات المميتة، الموت أسرع مما نتخيل.

نسأل الله تعالى أن يرحم موتى المسلمين، وأن يحفظ شباب الأمة، وأن يرزقنا جميعًا حسن التدبر والاتعاظ والعمل الصالح.

📢 إن رأيت هذه الفائدة نافعة فساهم في نشرها؛ فرب كلمة توقظ قلبًا، أو تنقذ شابًا من خطر، أو تفتح بابًا من أبواب الخير لا تعلم أثره إلا يوم تلقى الله تعالى.

وصلِ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. 

هل انتفعت بهذه الفائدة؟

------------

  1. الموافقات (1/ 31)

  2. صحيح البخاري (1968).

  3. (صحيح) سنن ابن ماجه (2340)

  4. سنن الترمذي (2417) وقال هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

  5. صيد الخاطر (ص454) 

  6. صحيح مسلم (2664)

  7. صحيح البخاري (5778)

  8. صحيح البخاري (7138) ومسلم (1829)

  9. (صحيح) سنن أبي داود (4900) ت الأرنؤوط وقال «صحيح لغيره» والترمذي (1040). 

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/06‏/09
80٬898

قسوة القلب مظاهرها وأسبابها وعلاجها

قسوة القلب من أخطر أمراض القلوب، تعرف على أسبابها وعلاماتها وطرق علاجها.

2026‏/06‏/13
42٬729

الميسر الرقمي: المراهنات قمار العصر

كشف حقيقة المراهنات الرقمية المعاصرة وحكم الميسر في الإسلام ونصائح عملية للنجاة من فخاخ القمار الحديثة.

2026‏/06‏/16
59٬316

الأسرة السعيدة في ظلال الإسلام

أسرار الأسرة السعيدة، دليلك الشامل لبناء بيت تظلله السكينة والمودة، وتغشاه الرحمة بعيدًا عن ضغوط الحياة.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software