في زمنِ التَّحوُّلِ الرَّقميِّ المتسارع، تحوَّلَ هاتفُ بعض الشباب إلى ما يشبهُ «صالةَ قمار متنقِّلة»؛ حيثُ لم تعدِ الفتنُ تطرقُ الأبوابَ، بل أصبحت تسكنُ الجيوبَ وتلازمُ الأنفاسَ عبر شاشات الهواتف الذكية.
يطلُّ علينا الميسر اليوم بوجهٍ جديدٍ، متخفِّيًا وراءَ عباراتٍ برَّاقةٍ مثل: «توقع من الفائز واربح معنا»، أو «صناديق الحظ»، أو «تحديات المراهنات الرياضية».
إنَّنا نعيشُ واقعًا مؤلما تغلغلت فيه المراهنات الرياضية والألعابُ الإلكترونيةُ التي تحتوي على المراهنات، فيما يُعرفُ بـ «صناديقِ الحظِّ أو صناديق المكافآت العشوائية». (Loot Boxes)، حيثُ يدفعُ الشابُّ مالًا حقيقيًّا مقابلَ احتمالِ ربحِ جائزةٍ نادرةٍ أو الخروجِ بلا شيء.
وتُشيرُ التقاريرُ إلى أنَّ ملايينَ الشبابِ باتوا أسرى لهذه المنصَّاتِ التي تلتهمُ أوقاتَهم وأموالَهم، وتُهدِّدُ أمنَ الأسرةِ والمجتمعِ، مُخلِّفةً وراءَها خرابًا عقديًّا وإيمانيًّا ونفسيًّا واسعًا.
إنَّنا أمامَ غزوٍ سلوكيٍّ يلبسُ ثوبَ «الترفيه»، لكنَّ حقيقتَه هي «الرِّجس» الذي حذَّرنا اللهُ منه؛ لذا كان لزامًا علينا كشفُ هذه الأقنعةِ ببيانٍ شرعيٍّ، يجمعُ بينَ فقهِ النَّصِّ وفهمِ الواقعِ في هذه الفائدة بإذن الله تعالى.
ما هو المَيْسِرُ والقِمَارُ؟ لغةً وشرعًا ⚖️
الميسر في لغةِ العربِ: هو القِمارُ بالقداح (الأزلام) مشتقٌّ من «اليُسْرِ»؛ لأنَّ صاحبه يطلبُ الحصولَ على المالِ بيسرٍ وسهولةٍ من غيرِ كدٍّ ولا تعبٍ.
واصطلاحًا: «كلُّ مُغالَبَةٍ فيها عِوَضٌ من الجانبين، يتردَّدُ فيها الداخلُ بين الغُنم والغُرم». أي إنَّ المرءَ إمَّا أن يربحَ بلا مقابلٍ حقيقيٍّ، أو يخسرَ ماله بلا حقٍّ للآخذ.
هل المراهنات المعاصرة مَيْسِرٌ مُحَرَّم؟
إنَّ المعيارَ في الحكمِ الشرعيِّ ليس اسمَ التطبيقِ أو شكلَ اللعبةِ، بل حقيقةَ المعاملةِ ومضمونَها؛ هل فيها مالٌ يُدفعُ مقابلَ احتمالِ الربحِ أو الخسارةِ بلا ضمان؟ بحيث يكون غنمُ أحدِ الطرفين من غُرم الآخر؟ إن كان كذلك، فهي عينُ الميسرِ المحرَّمِ.
وقد سوَّى المحقِّقونَ من أهلِ العلمِ بينَ الميسرِ والقِمارِ؛ أي إنَّهما شيءٌ واحدٌ في الحكمِ والتحريم. فالعبرةُ بالحقائقِ لا بالأسماءِ.
فكلُّ صورةٍ تتضمنُ دفعَ مالٍ (رسومِ اشتراك، أو شراءِ نقاطٍ، أو رصيدٍ) مقابلَ احتمالِ ربحِ جائزةٍ أو خسارةِ ما دُفع، فهي عينُ الميسر المحرَّمِ.
صور القمار الإلكتروني المنتشرة اليوم:
المراهنات الرياضية المدفوعةُ على نتائجِ المبارياتِ، أو عدد الأهداف، أو مسابقات إلكترونية مقابل مبلغٍ يُدفعُ من الطرفين، فإن أصابَ المراهنُ ربحَ أضعافًا، وإلا خسرَ رأسَ ماله كلّه.
صناديق الحظ (Loot Boxes):
يدفعُ اللاعبُ مالًا حقيقيًّا مقابلَ احتمالِ الحصولِ على «عناصر نادرة»، وقد يخرجُ بلا شيءٍ ذي قيمة.
مسابقات التوقعات المدفوعة:
وهي التي تشترطُ دفعَ رسومِ اشتراكٍ للدخولِ، ثم يجيب عن أسئلة أو يتوقّع نتائج أو أحداثًا؛ فإن وافق توقّعه النتيجة دخل السحب على جوائز، وإلا ذهب ماله، وهذا ميسر واضح.
المراهنات الإلكترونية في الألعاب:
اتفاقُ اللاعبين على دفعِ أموالٍ لمن يفوزُ، وهو ميسرٌ واضحٌ إذا كان العِوضُ من الجانبين.
حكم الميسر📖
اتفق الفقهاء على تحريم الميسر، وجاء التحريمُ في أشدِّ أسلوبٍ وأوضحِ بيانٍ؛ قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة90: 91]
تأمَّل كيف قرنَ اللهُ الميسرَ بعبادةِ الأصنامِ (الأنصاب)، ووصفَه بأنَّه «رِجسٌ»، وأمرَ بـ «الاجتنابِ» الذي هو أبلغُ من مجرَّدِ التركِ، فهو يقتضي البُعدَ عن أسبابِه ووسائلِه.
الآية الثانية تكشف عن أهداف الشيطان من وراء الخمر والميسر: إسقاط الأخلاق، وتفريق القلوب، وإشاعة العداوة والبغضاء، وصدّ الناس عن ذكر الله والصلاة، وهي نفس الآثار التي نراها اليوم في ضحايا المراهنات الإلكترونية والرياضية المعاصرة.
وفي السنةِ النبويةِ، شدَّد النبيُّ ﷺ حتى على مجرَّدِ اللفظِ؛ فعن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ»(1).
فإذا كان مجرَّدُ الاقتراحِ ذنبًا يحتاجُ كفارةً، ، فكيف بمن باشرَ القمارَ وأكلَ أموالَ الناسِ بالباطل؟ فكيف بـ المراهنات الرياضية التي تُنفقُ فيها الملايين وتُهدرُ فيها الأموال والأعمار؟
وقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ.» (2).
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ: نَهَى عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ وَالْغُبَيْرَاءِ، وَقَالَ : «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (3).
"والميسر يشتملُ على مفسدتينِ عظيمتين: مفسدةٍ في المالِ (أكلُه بالباطل)، ومفسدةٍ في العملِ (فسادُ القلبِ والعقلِ وذاتِ البين) (4).
الأضرار العقدية والإيمانية:
كيف يهدم القمار التوكل؟🏹
إنَّ خطر الميسرِ يتجاوزُ ضياعَ المالِ إلى تدميرِ العقيدة؛ فالمقامرُ: يضعفُ توكُّله على الله: إذ يعلِّقُ قلبه بـ «الحظِّ» والاحتمالاتِ العمياءِ، بدلَ أن يتعلَّقَ بـمسبِّبِ الأسباب.
يتعلَّقُ بالأوهام:
فيعيشُ مطاردًا لـ «ضربةِ حظٍّ »، وهميةٍ تُغنيه عن العملِ الجادِّ، وهذا مناقضٌ لمنهجِ الإسلامِ في الأخذِ بالأسباب.
الاعتراض على القدر:
فإذا خسرَ المراهنُ، ثارَ غضبُه وسخطُه على الزمنِ أو الحظِّ، وربما ساءَ ظنُّه بربِّه، ممَّا يُورثُ مرارةً في النفسِ تُجاهَ قضاءِ اللهِ وقدرِه.
قسوة القلب:
فالمالُ الحرامُ نكتةٌ سوداءُ تمنعُ قبولَ الدعاء وتُذهبُ بركةَ الطاعة.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية:
ضياع الأموال وتبديد الثروات وخراب البيوت🏚️
المراهناتُ ليست «تسليةً»، بل هي إدمانٌ سلوكيٌّ خطيرٌ يُطلقُ جرعاتٍ من الإثارةِ الزائفةِ في الدماغ، تجعلُ المرءَ أسيرًا لشاشتِه. وهذا يُؤدِّي حتمًا إلى: تبديد الثروات: كم من شابٍّ ألقى بمدَّخراتِ عُمرِه في رهانٍ واحدٍ طمعًا في التعويضِ، فخرجَ صفرَ اليدين.
تفكك الأسر وانتشار الديون:
المدمن على القمار قد يسرق من أهله، أو يستدين من أصدقائه، أو يدخل في قروضٍ ربوية ليغطّي خسائرِ القمار، ثم يجد نفسه غارقًا في الديون، فتبدأ المشاكل مع الزوجة والأولاد والوالدين.
إدمان سلوكي خطير
القمار ليس لعبًا فحسب، بل هو إدمانٌ سلوكي؛ إذ تُطلق كلّ محاولة مراهنة «جرعة» من الإثارة والتشويق في الدماغ، فيعود اللاعب يبحث عن الإحساس نفسه، ولو على حساب دينه وعقله وأسرته.
ولهذا نجد الكثيرين لا يتوقّفون عند حدّ «التجربة»، بل يتحوّلون إلى أسرى شاشة الموقع أو التطبيق، يراقبون النتائج ليلًا ونهارًا، ويتوتّرون قبل كل مباراة أو سحب.
إشاعة العداوة والبغضاء:
كما نصَّ القرآنُ، تندلعُ المشاجراتُ والقطيعةُ بين الأصدقاءِ بسببِ خلافاتٍ على نتائجِ الرهانِ أو ضياعِ الأموالِ المشتركة.
شبهات شائعة.. وردود موجزة
يُحاولُ البعضُ تبريرَ ممارساتِهم بشبهاتٍ واهية فيقول:
إنَّها مجرَّدُ لعبة!:
الجوابُ أنَّ اللعبَ المباحَ هو ما خلا من المالِ المحرَّمِ، أما دفعُ المالِ مقابلَ غُنمٍ أو غُرمٍ هو قمارٌ ولو كان في قالبِ لعبةٍ إلكترونية.
المبلغُ بسيطٌ!:
الشَّرعُ لم يفرِّق في أصلِ التحريمِ بين القليلِ والكثيرِ؛ فالميسرُ كالنَّارِ تبدأُ من مستصغرِ الشَّررِ، والرسولُ ﷺ أمرَ بالصدقةِ لمجرَّدِ «القولِ».
الجميعُ يفعلُ ذلك!:
الكثرةُ ليست معيارًا للحقِّ؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116].
ليست قِمارًا، إنَّها توقُّعات!:
المعاملاتُ بمعانيها؛ فإذا كان الربحُ معلَّقًا على نتيجةٍ مجهولةٍ بمالٍ مدفوعٍ، فهو الميسرُ بعينه.
البدائل الشرعية للترفيه والكسب:
🌱 الإسلامُ لا يُغلقُ بابًا إلا ويفتحُ أبوابًا من الخير والبدائلِ النظيفةِ؛ فمن أرادَ الترفيهَ والكسبَ فليتَّجه إلى:
المسابقات الثقافية والعلمية:
التي يكونُ العِوضُ فيها من طرفٍ ثالثٍ متبرِّعٍ ولا يدفعُ فيها المتسابقُ شيئًا من ماله، وهذه من أعظم ما يجمع بين المتعة والأجر.
ألعابٌ رياضية وجسدية نافعة
التي تُبني الأجسادَ وتقوِّي العزائم بعيدًا عن المقامرة.
مشاريع كسبٍ حلال:
عبر التجارةِ الإلكترونيةِ المباحةِ، أو عمل حرّ، أو تعلُّمِ مهاراتٍ تدرُّ رزقًا مباركًا.
خاتمة: نداءٌ إلى كل قلبٍ ينبضُ بالإيمان 📢
يا من علقتَ قلبَك بهذه المراهنات، وقفةَ محاسبةٍ بصدقٍ مع نفسك:
كم صلاةٍ ضيَّعتَ؟ وكم ضيقًا وقلقًا تجرَّعتَ بانتظارِ نتيجةِ رهانٍ؟ إنَّ الفلاحَ الحقيقيَّ في قولِ ربِّك: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
تُب الآن.. احذف تلك التطبيقاتِ المسمومةِ، طهِّر مالَك مما دخلَه من شُبهة، وأقبل على ربِّك بقلبٍ واثقٍ في رزقِه.
سارع بنشرِ هذه الفائدةِ لتنقذَ صديقًا، أو تحميَ أسرةً، فالدَّالُ على الخيرِ كفاعلِه. نسألُ اللهَ أن يغنينا بحلالِه عن حرامِه، وبفضلِه عمَّن سواه. ويحفظَ شبابَنا من الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطن.
وصلِ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
هل انتفعت بهذه الفائدة؟
------------
(1) صحيح البخاري (4860)، ومسلم (1647).
(2) صحيح مسلم (2260)
(3) (صحيح) سنن أبي داود (3685).
(4) ينظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (32/ 237) بتصرف.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy