حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> تعليمي

مكائد الشيطان وكيف السبيل إلى النجاة(4)؟

مكائد الشيطان وكيف السبيل إلى النجاة(4)؟
2026‏/04‏/21
38٬468

إنَّ المعركة مع الشيطان معركةُ نَفَسٍ طويل، لا تضع أوزارها إلا عند خروج الروح من الجسد. 

من هو الشيطان؟

«‌‌الشَّيطان: روحٌ شرير، كل عاتٍ متمرّد.

قال أبو عبيدة: الشيطانُ اسمٌ لكل عارم (أي شرس شديد عات) ‌من ‌الجن ‌والإنس ‌والحيوانات»(1).

وفي الاصطلاح ‌هو: ‌كلِّ ‌متمرِّد ‌من ‌الجنِّ ‌والإنس ‌والدواب.

حقيقة إبليس: أصل الخلقة وطبيعة العداوة.

الشيطان الذي حذَّرنا الله تعالى منه كثيرًا في القرآن هو إبليس وجنوده؛ وإبليس هو جنِّيٌّ خبيثٌ خَلَقَه الله تعالى من نار، ثم عصى وكفر وتَمَرَّدَ على خالقه، فدأب على الكيد للإنسان ليغويه ويضلَّه ويفسدَ عليه حياتَه، ويخرجَه من عزِّ الطاعة إلى ذلِّ المعصية والسَّير في ركاب الهوى والشَّهَوات.

ونصوص الكتاب والسنة تعطينا صورة واضحة عن محاولات الشيطان المتكررة للأذى، ولكنها في الوقت ذاته تبشرنا بسبل النجاة وعظيم الأجر.

بلاء الصالحين: صبر أيوب عليه السلام على مسّ الشيطان.

قصة أيوب والابتلاء بالشيطان.

فماذا صنع الشيطان مع أيوب عليه السلام؟ 

قال سبحانه: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ [ص: 41، 42].

انكسار مكر العفريت أمام صلاة المصطفى ﷺ.

حاول عفريتٌ إيذاءَ النبيِّ ﷺ في صلاته.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: (رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي) قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا.» (2).

قصة الحرز العظيم وفطنة أبي هريرة.

وأمسك أحدَهم أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، عندما حاول أن يسرق من زكاة الفطر، ..فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:

فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟» قُلْتُ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ)، قَالَ: «مَا هِيَ؟» قُلْتُ: قَالَ لِي: (إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: ﴿ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ ﴾، وَقَالَ لِي: (لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ)، -وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ- فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟!» قَالَ: (لاَ!) قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ»(3).

  قصة المرأة التي اختارت الجنة على العافية.

وكان يَصرعُ امرأة سوداء ويجعلها تتعرَّى، فدعا لها ﷺ فلم تتعرَّ بعد. 

قال عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: «قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ لِي، قَالَ: إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُعَافِيَكِ. فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللهَ أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا»(4).

كيد الشيطان في ميزان الوحي.

يظنُّ بعضُ الناس أن الشيطانَ أقوى من مقاومته، والحقيقةُ أنَّه ضعيفٌ أمام أهل الإيمان؛ فلا سلطان له على من تمسَّك بالكتاب والسنة واعتصم بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: 65]، وقال سبحانه عن الشيطان: ﴿وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: 22]، وقال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].

 

وإنما يقوى تسلُّطه على من والاه واتَّبعه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: 100]، فمتى قوي الإيمان ضعف الشيطان، ومتى ضعف الإيمان قوي تسلُّطه.

الشيطان كيده ضعيف، وغاية أمره الوسوسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]. 

ولا سلطان له على أهل الإيمان والتوكُّل، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: 99].

وهذا يضع المسؤولية علينا؛ فالشيطان لا يملك يداً يجرنا بها إلى المعصية، ولا قدماً يدفعنا بها إلى الهاوية، إنما هو "صوت" يوسوس ويدعو.

فالمؤمن الذي ملأ قلبه بالتوكل على الله، صار كالجبل الأشم لا تحركه رياح الوساوس. 

 وإنما يقوى تسلُّط الشيطان بضعف الإيمان واتباع المعصية.

والنجاة من الشيطان الرجيم تكمن في حصون:

أولًا: الإخلاص لله رب العالمين: 

فهو السد المنيع الذي اعترف الشيطان بعجزه أمامه، فالإخلاص هو سبيل الخلاص من الشيطان، وأهل الإخلاص أعمالهم كلها لله وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله ومنعهم لله وحبهم لله وبغضهم لله.

«ولهذا لمَّا علمَ إبليسُ أنه لا سبيلَ له على أهل الإخلاص استثناهُم من شُرْطتِه التي اشترطها للغواية والإهلاك، فقال: {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصين} [ص: 82، 83]، وقال: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلِصين} [الحجر: 39، 40]، قال الله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الحجر: 42].

فالإخلاصُ هو سبيلُ الخَلاص، والإسلامُ مركبُ السلامة، والإيمانُ خاتمُ الأمان.»(5).

وقال تعالى في حق الصِّدِّيق يوسف: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 24].

فالسوء: العشق، والفحشاء: الزنا.

قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فالله تعالى يبتلى عبده المؤمن ليطهره من الذنوب والمعايب ومن رحمته بعبده المخلص ان يصرف عنه ما يغار عليه منه. (6).

ثانياً: الاستعاذة بالله سبحانه: 

الاستعاذة بالله من الشيطان وهَمَزاته ووساوسه، وجميع شروره، والحذر منه، والاعتصام بالله تعالى والالتجاء إليه، بالألفاظ التي صحَّت في الاستعاذة، وبالمعوِّذتين؛ فإنه ما تعوَّذ متعوِّذ بمثلهما. وملازمة ذلك في جميع المواضع والأوقات التي شُرِع فيها التعوذ - مع الاعتقاد الجازم بأن النفع والضر بيد الله، وأنه - جل وعلا - هو القادر على دفع شر الشيطان، مع قوة الاعتماد على الله والثقة به، وتيقُّن أن كيد الشيطان ضعيف، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 76]، فغاية ما عنده الوسوسة كما قال ﷺ: «الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى ‌الْوَسْوَسَةِ» (7).

قال تعالى: {فَإذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98]. 

ثبت في صحيح مسلم من حديث أَبِي الْعَلَاءِ « أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ذَاكَ ‌شَيْطَانٌ ‌يُقَالُ ‌لَهُ ‌خِنْزَِبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا. قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي.» (8).

اللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين، ونعوذ بك ربِّ أن يحضرون. اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين الذين ليس للشيطان عليهم سلطان، وثبتنا على الحق حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا.

ونستكمل في الفائدة التالية بإذن الله تعالى.

لا تنس النشر والمشاركة لتعمّ الفائدة ويعظم الأجر 📢

وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هل انتفعت بالفائدة.

__________

(1) التعريفات الفقهية (ص125) بتصرف.

(2) صحيح البخاري (4808).

(3) صحيح البخاري (2311)

(4) صحيح البخاري (5652).

(5) مفتاح دار السعادة (1/ 198: 199) 

(6) الاستقامة (2/ 59) 

(7) (صحيح) سنن أبي داود (5112)

(8) صحيح مسلم (2203)

 

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/04‏/18
44٬008

مكائد الشيطان وسبل الوقاية (3).

ومن مكائد الشيطان أنه لا يدعو العبد إلى أعظم الذنوب ابتداءً، وإنما يسلك طريق التدرج، فيبدأ بالصغيرة، ثم يهوّنها، ثم يزيّن ما هو أكبر منها

2026‏/04‏/09
59٬041

مكائد الشيطان وسبل النجاة منها

كان من أعظم ما ينبغي على المسلم معرفته: مكائد الشيطان، وكيف يعمل، وما هي طرقه في الإضلال؛ ليحذرها ويتقيها.

2026‏/04‏/14
40٬821

مكائد الشيطان وسبل النجاة منها (2)

الشيطان يحب أن يرى المؤمن حزيناً مضطرباً، لأن الحزن يضعف القلب ويثبّط عن الطاعة.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software