في سكون الليل حين تهدأ الأصوات وتنام العيون، ينهض أولياء الله إلى محراب الطاعة، ويتفرغ المؤمنون لمناجاة ربهم، يبثون بين يديه آمالهم وآلامهم، يشكون إليه أحوالهم، ويرجون فضله، يناجونه بدموعهم وكلماتهم، في مقام ذلّ وخضوع، ورجاء وخشية، لا يضاهي لذّته لذّة، ولا يعدل أثره أثر. فتُفتح أبواب السماء وتتنزل الرحمات، لتبدأ قصة الحب في محراب الخلوة بين العبد وربه. قيام الليل تجارة رابحة مع الله لا يعرف قدرها إلا من ذاق لذّتها وخبر أثرها.
إن قيام الليل ليس مجرد ركعات تُؤدى، بل مدرسة إيمانية، ومحطة لتزود القلب الذي يمنح المؤمن القوة والثبات في مواجهة هموم الحياة.
وهو مشروع تربوي متكامل، ومدرسة روحية تُعيد ترتيب أولويات القلب، وتُذكِّر المؤمن بحقيقة الدنيا والآخرة.
فضل قيام الليل في القرآن
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]
شهد لهم من أنزل القرآن بالإيمان فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۩ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)﴾ [السجدة: 15-17]
ومدح الله أهل قيام الليل في جملة عباده الأبرار عباد الرحمن، فقال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64] وقال في وصف المتقين: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17]
ونفى الله التسوية بينهم وبين غيرهم ممن لم يتصف بوصفهم، فقال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9]
فتأمّل كيف جمع الله في هذه الآية بين القنوت، والعلم، والتذكّر، والتقوى، وكلّها من صفات أولي الألباب، أهل الفهم والعقل والبصيرة.
مراتب القائمين بالقرآن في قيام الليل
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ المُقَنْطِرِينَ»(2).
وقد أخبر النبي ﷺ أن قراءة ثلاث آيات في الصلاة خير للعبد من ثلاث خلفات (ناقات) عظام سمان.
شكر النعمة في هدي النبي ﷺ
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ «كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا، فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ»(3).
قيام الليل سبب لدخول الجنة ورفعة الدرجات
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ وَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ»(4).
قيام الليل يورث سكن الغرف في الجنان:
عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ» (5).
الفوز بالجنان ورضى الرحمن:
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}»(6).
منحة ربانية: ساعة إجابة تتكرر كل ليلة
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ»(7).
ساعة مباركة في الليل لا تُرد فيها المسألة
إن أعظم فضائل قيام الليل هي تلك اللحظات القدسية التي يقترب فيها الخالق من خلقه في ثلث الليل الآخر. ففي هذا الوقت، يتجلى الله سبحانه وتعالى ليعطي السائلين ويغفر للمستغفرين.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تبارك وتعالى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»(8).
قيام الليل دأب الصالحين عبر القرون
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَابُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ»(9)..
قيام الليل "دأب الصالحين"، أي عادتهم ومسلكهم الذي لا ينفكون عنه، فهو الطريق الذي سلكه الأبرار قبلنا للوصول إلى مرضاة الله.
تثبيت القرآن في الصدر:
قيام الليل الوسيلة الأمثل لتثبيت القرآن الكريم في الصدر. فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ»(10).
وهذا يفسر لماذا يغبط الناس صاحب القرآن الذي يقوم به آناء الليل، فهو أحد صنفين فقط يجوز "الحسد" (بمعنى الغبطة) لهما لعظيم ثوابهما. قال ﷺ: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار...» (11).
قيام الليل من أسباب النجاة من الفتن، والسلامة من دخول النار:
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ، يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الْآخِرَةِ»(12).
وفي ذلك تنبيه على أثر الصلاة بالليل في الوقاية من الفتن.
شرف المؤمن قيام الليل
«عن سَهْل بن سعد، قال: جاء جبريلُ عليه السلام إلى النبيِّ ﷺ فقال: "يا محمَّدُ، عِشْ ما شئتَ فإنك ميتٌ، وأحبِبْ مَن أحببتَ فإنك مُفارِقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنك مَجزِيّ به". ثم قال: "يا محمَّدُ، شَرَفُ المؤمن قيامُ الليل، وعِزُّه استغناؤُه عن النَّاس»(13).
إن هذا الشرف ينبع من كون القيام خلوة لا رياء فيها، وعزّ المؤمن يكمن في اكتفائه بالله في جنح الليل، مما يجعله عزيزاً غنياً عما في أيدي الناس بالنهار.
قيام الليل في حياة الأسرة المسلمة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " رَحِمَ اللهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ»(14).
قيام رمضان مغفرة للذنوب
ليس قيامُ رمضان كقيامِ غيره من الشهور؛ لما اختصَّ به من الفضل، واجتماع المسلمين في المساجد، والجهر بالقرآن. ولذلك جاء في شأنه فضلٌ عظيم، وهو مغفرة ما تقدَّم من الذنوب؛ كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: « «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(15)
فمن قام ليالي رمضان مؤمنًا بفضله، محتسبًا أجره عند الله، مخلصًا في قيامه، لا يقصد به رياءً ولا غرضًا دنيويًّا، وإنما يبتغي وجه الله؛ بحيث لو كان وحده لا يراه أحد لقام كذلك؛ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه.
أثر قيام الليل على المجتمع
قيام الليل لا يقتصر أثره على الفرد، بل يمثّل مدرسة تخرج أجيالًا من المؤمنين، آثارهم ملموسة في التأثير الاجتماعي والدعوة الصادقة. إن من تخرج من مدرسة الليل يكون له وقعٌ على القلوب، لأن كلامه نابع من القلب.
شارك هذه الفائدة مع أحبابك📢
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة؟
______
(1) (صحيح) سنن أبي داود (1398).
(2) (صحيح) سنن أبي داود (1398).
(3) صحيح البخاري (4837) واللفظ له، ومسلم (2820)
(4) (صحيح) سنن الترمذي (2485)، وابن ماجه (3251) وأحمد (23784).
(5) (حسن) مسند أحمد (22905)، وابن خزيمة (2137)، وابن حبان (509) قال الهيثمي رجاله ثقات.
(6) صحيح البخاري (4779) ومسلم (2824).
(7) صحيح مسلم (757).
(8) صحيح البخاري (1145) ومسلم (758).
(9) (صحيح) سنن الترمذي (3549)
(10) صحيح مسلم (789)
(11) (صحيح مسلم: 815).
(12) صحيح البخاري (1126).
(13) (حسن) المستدرك على الصحيحين (8119)
(14) (حسن صحيح) مسند أحمد (7410) سنن أبي داود (1450) وابن ماجه (1336).
(15) صحيح البخاري (37) مسلم (759).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy