فوائد المصلي


كيف نتعامل مع الهم والحزن والضيق والاكتئاب

benefitsImg
0 21 9/19/2022 5:48:50 PM

إن الهم والحزن وما يترتب عليهما من ضيق الصدر والكآبة والغم، هي أعراض ملازمة للإنسان في أوقات متفاوتة في حياته الدنيا، فقد حفت هذه الحياة بالمكاره، والمولى عز وجل يقول: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} [البلد: 4]، بل إن المولى عز وجل يصف لنا حال أهل الجنة بعد دخول الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} [فاطر: 34، 35].

وعن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان كثيراً ما يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» صحيح البخاري (7/ 76).
والهم هو ضيق الصدر بسبب توقع الأمر السيء في المستقبل، 
أما الحزن: فهو الضيق بسبب تفكير المرء فيما ما مضى.

والإنسان الذي يصاب بالحزن أو الهم أو الاكتئاب لا يصل إلى هذه الحال إلا بعد معاناة وألم، فليس الشعور بالضيق والاكتئاب بالأمر الذي يطرق فجأة على الإنسان، وإنما هو تراكمات لكثير من المواقف غير اللطيفة، في الحياة الاجتماعية أو العملية أو حتى الدراسية، وهو ما يعبر عنها بالعلاقة مع المجتمع، وأيضاً سبب هذا الضيق والحزن والاكتئاب ضعف العلاقة مع الله، فكلما زاد إيمان الإنسان كلما زاد تعلقه بربه، وهذا التعلق هو أكبر دافع لطرد الهم والحزن والاكتئاب، والبعد عن بداياته، لذا يجب علينا أن نفهم هذه المحاور التالية ونحاول تطبيقها في حياتنا، وسنتمكن بإذن الله من التعامل مع كل هذه الأحوال من ضيق وهم وحزن أو اكتئاب وغيره:

أولاً: الرضا: والمقصود به الرضا بالله ربا وبالإسلام ديناً، والرضا بقضاء الله وقدره، يقول ﷺ: «ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً». صحيح مسلم.

فتجد أن الرضا يذيب أنواعاً شتى من الأحزان والآلام الناتجة عن التعرض للمواقف الصعبة والمشاكل والمصائب التي ربما تحدث للإنسان فترة بعد فترة فتزيده اكتئاباً وهماً وحزناً وتجعل الحياة مظلمة في عينيه، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)} [البقرة: 155 - 157]

وهذا الرضا فيه معنى جميل جداً ألا وهو تعلق القلب بربه مهما تغيرت أحواله، فهو راضٍ عن كل ما يأتيه من ربه، ولا يأت الله إلا بخير.

ثانياً: القناعة: والمقصود بها قبول الحظ المقسوم للإنسان من الرزق والمال والأولاد والقوة والصحة والمتاع، يقول ﷺ: «ليس الغنى بكثرة العرض إنما الغنى غنى النفس». صحيح مسلم.

فالإنسان القانع بما لديه من رزق أو مال أو زوجة أو أولاد أو صحة أو منصب أو حسب أو متاع، هو إنسان غير متشوف لما في يد غيره، وبالتالي فهو غير متسخط على حاله أبداً، لأن الإنسان إن تطلع إلى ما في يد غيره لكونه أفضل مما عنده، فإن نفسه تدخل في السخط على حالها، ثم عدم الرضا ثم إلى الحزن والهم والكآبة، لذا كان الإمام الشافعي يقول:
أمَتُّ مطامعي فأرَحْتُ نفسي
فإن النفس ما طمعت تهون.

ثالثاً: ذكر الله: قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر: 97 - 99]

لخص لنا المولى عز وجل علاج ضيق الصدر والهم والحزن والكآبة في هذه الآيات الجميلة، فإن كان يضيق صدرك، فسبح بحمد ربك، أكثر من ذكر ربك، مستحضراً معنى ما تقول متوكلاً عليه، تاركاً له سبحانه أمورك كلها، فإن الذكر هو زاد الإنسان في مسيره في هذه الحياة، فإن قل زاده ونقص طعامه وشرابه وخارت قواه ووهن جسده وضعفت صحته من مسير الحياة، وجب عليه أن يتزود من الذكر فإن فيه ذهاب لضيق كل ما سبق.
لذا نجد أن النبي ﷺ  يعلمنا أن نجعل يومنا كله مليء بذكر الله، في الصباح والمساء، قبل النوم وحين التعار من النوم وعند الاستيقاظ، عند دخول المسجد وبعد كل صلاة، عند دخول السوق وعند الخروج من البيت وعند دخول البيت، حتى عند دخول الخلاء والخروج منه، فنجد أن يومنا كله مليء بذكر الله، وكلما أكثر الإنسان من ذكر ربه زادت قوته على مجابهة الحياة، لذا كان الصحابة رضوان الله عليهم  وسلفنا الصالح يكثرون من ذكر الله، وقد ذكر ابن القيم أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان الصبح ثم يقعد يذكر الله إلى وقت الضحى وكان يقول: هذه غدوتي وإن لم أتغدَّ لم أتقو ليومي.

رابعاً: إنجاز عمل صالح: فإذا ما تأملنا في الآية القرآنية السابقة: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر: 97 - 99]

نجد أن المولى عز وجل ربط العلاج بذكره ثم عمل صالح: {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ} [الحجر: 98، 99].
وهذا من أفضل العلاج للنفس، حيث يشعر الإنسان بعد إنجاز العمل (حتى ولو كان دنيوياً، المهم أن يكون في مرضاة الله، كتأدية الموظف وظيفته، وحينها يسمى عمل صالحاً، وهذا من رحمة الله)، فبعد إنجاز العمل يشعر الإنسان بالاطمئنان النفسي نتيجة إفراز هرمون السعادة فرحاً بإنجاز المهمة، فيذهب الحزن والكآبة وتحل محلها السعادة.

فكل عمل يؤديه المسلم، طالما أن هذا العمل يندرج تحت مسمى الواجبات وما يحبه الله، فإنه يعتبر عملاً صالحاً.

 ثم أنت مع كل هذا ملازم لدعاء النبي ﷺ الذي كان يدعو به كثيراً، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أخدم النبي ﷺ، فكنت أسمعه كثيراً يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ». صحيح البخاري (2893).

شارك الفائدة مع أحبابك ودلهم على الخير، وكن سبباً في التخلص من هموم وأحزان جاثمة على صدور أحبابك...