هل يمكن أن تتكلم بقرة؟ وهل يمكن أن يخاطب ذئبٌ إنسانًا؟
قد يبدو الأمر عجيبًا للعقول، لكنه ثابت في حديث صحيح عن رسول الله ﷺ. والأعجب من كلام الحيوان هو يقين المؤمن حين يثبت الخبر عن النبي ﷺ؛ فهذه القصة العجيبة تحمل دروسًا في الإيمان بالغيب، والتسليم للوحي، وقوة اليقين، والدعوة إلى الله.
📜 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:
«صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ رَكِبَهَا فَضَرَبَهَا فَقَالَتْ إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ».
فَقَالَ النَّاسُ «سُبْحَانَ اللهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ».
فَقَالَ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»، وَمَا هُمَا ثَمَّ.
«وَبَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمِهِ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ فَذَهَبَ مِنْهَا بِشَاةٍ فَطَلَبَ حَتَّى كَأَنَّهُ اسْتَنْقَذَهَا مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ هَذَا اسْتَنْقَذْتَهَا مِنِّي فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي».
فَقَالَ النَّاسُ: «سُبْحَانَ اللهِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ».
قَالَ: «فَإِنِّي أُومِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمَا هُمَا ثَمَّ.»[1]
إِذْ عَدَا الذِّئْب: مِنْ الْعُدْوَان.
فَمَنْ لَهَا يَوْم السَّبُع: مَعْنَاهُ مَنْ لَهَا يَوْم يَطْرُقهَا السَّبُع - أَيْ الْأَسَد - فَتَفِرّ أَنْتَ مِنْهُ فَيَأْخُذ مِنْهَا حَاجَته وَأَتَخَلَّف أَنَا لَا رَاعِي لَهَا حِينَئِذٍ غَيْرِي.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ عِنْد الِاشْتِغَال بِالْفِتَنِ فَتَصِير الْغَنَم هَمَلًا فَتَنْهَبهَا السِّبَاع فَيَصِير الذِّئْب كَالرَّاعِي لَهَا لِانْفِرَادِهِ بِهَا.
قَوْله ﷺ: «فَإِنِّي أُؤْمِن بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْر وَعُمَر» مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَخْبَرَهُمَا بِذَلِكَ فَصَدَّقَاهُ، أَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ لِمَا اِطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُمَا يُصَدِّقَانِ بِذَلِكَ إِذَا سَمِعَاهُ وَلَا يَتَرَدَّدَانِ فِيهِ[2].
وَمَا هُمَا ثَمَّ: لَيْسَا حَاضِرَيْنِ، وَهُوَ مِنْ كَلَام الرَّاوِي.
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ، فَأَخَذَهَا، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَانْتَزَعَهَا مِنْهُ، فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ قَالَ:
أَلَا تَتَّقِي اللهَ، تَنْزِعُ مِنِّي رِزْقًا سَاقَهُ اللهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا عَجَبِي، ذِئْبٌ مُقْعٍ عَلَى ذَنَبِهِ يُكَلِّمُنِي كَلَامَ الْإِنْسِ؟ فَقَالَ الذِّئْبُ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ: مُحَمَّدٌ ﷺ بِيَثْرِبَ، يُخْبِرُ النَّاسَ بِأَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ قَالَ: فَأَقْبَلَ الرَّاعِي يَسُوقُ غَنَمَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَةَ، فَزَوَاهَا إِلَى زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ. فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَنُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ لِلرَّاعِي: " أَخْبِرْهُمْ ". فَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " صَدَقَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُكَلِّمَ السِّبَاعُ الْإِنْسَ، وَيُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ، وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ[3]»
4 - كان الذئب ـ وهو حيوان ـ سببًا في إسلام أهبان بن أوس رضي الله عنه، فماذا قدمنا ـ نحن المسلمين ـ لنشر دين الله عز وجل في الأرض.
التسليم للوحي عند ورود الخبر العجيب
الإيمان في الإسلام ليس تصديقًا أعمى لكل ما يُسمع، ولا تعطيلًا للعقل أمام كل خبر غريب؛ وإنما هو تسليمٌ لما ثبت وصحّ عن الله تعالى ورسوله ﷺ، مع إدراك أن العقل له مجاله، وأن قدرة الله تعالى لا تحدّها المألوفات والعادات.
فإذا ثبت الخبر عن رسول الله ﷺ بسند صحيح، فلا يجوز ردّه لمجرد استغرابه أو عدم اعتياده؛ فإن الله تعالى قادر على أن يُجري من خوارق العادات ما يشاء. وقد أخبر القرآن الكريم عن النملة التي تكلمت، والهدهد الذي تحدث مع سليمان عليه السلام، وتسبيح الجبال والطير مع داود عليه السلام، كما أخبر عن شهادة الجوارح على أصحابها يوم القيامة.
ومن هنا يتعلم المسلم أن غرابة الخبر ليست معيارًا لصحته أو بطلانه، وإنما العبرة بثبوته عن الله ورسوله ﷺ؛ فلا يقول المؤمن: «هذا مستحيل لأنني لم أره».
فيُصدَّق ما ثبت بالقرآن أو صحّ سنده عن النبي ﷺ، ولو كان مستغربًا، سواء أكان من المتواتر أم من أخبار الآحاد الصحيحة.
أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.. يقين لا يتردد
فقد أخبر النبي ﷺ عن عظيم إيمانهما وقوة يقينهما رضي الله عنهما.، حتى صار تصديقهما للأخبار النبوية أمرًا ظاهرًا معلومًا.
وهذه رسالة تربوية مهمة في زمن كثرت فيه الشبهات، وأصبح بعض الناس يردون النصوص الصحيحة لمجرد أنها لا توافق ما اعتادوه أو ما ألفوه.
المؤمن الحق يجعل الوحي هو الأصل الذي يُوزن به العقل، لا أن يجعل تصورات العقل المحدودة حاكمة على الوحي.
الذئب كان سببًا في إسلام رجل
والأعجب من ذلك أن هذه القصة لم تكن حادثة عابرة؛ فقد وقع نحوها لأُهبان بن أوس رضي الله عنه.
فقد هجم الذئب على شاة من غنمه، فلما صاح عليه، أقعى الذئب على ذنبه وخاطبه قائلًا: «مَنْ لَهَا يَوْمَ تَشْتَغِلُ عَنْهَا؟» ثم قال له: «أَعْجَبُ مِنْ هَذَا، هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ هَذِهِ النَّخَلَاتِ يَدْعُو إِلَى اللهِ».
فكان هذا المشهد العجيب سببًا في ذهاب أُهبان إلى النبي ﷺ وإسلامه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وَقَدْ وَقَعَ كَلَامُ الذِّئْبِ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْقِصَّةِ، فَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ .. عَنْ أُهْبَانَ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: «كُنْتُ فِي غَنَمٍ لِي، فَشَدَّ الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ مِنْهَا، فَصِحْتُ عَلَيْهِ فَأَقْعَى الذِّئْبُ عَلَى ذَنَبِهِ يُخَاطِبُنِي وَقَالَ: «مَنْ لَهَا يَوْمَ تَشْتَغِلُ عَنْهَا؟ تَمْنَعُنِي رِزْقًا رَزَقَنِيهِ اللَّهُ تَعَالَى.
فَصَفَّقْتُ بِيَدِي وَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَعْجَبَ مِنْ هَذَا، فَقَالَ: أَعْجَبُ مِنْ هَذَا، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ هَذِهِ النَّخَلَاتِ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ، قَالَ: فَأَتَى أُهْبَانُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ وَأَسْلَمَ»[4].
وهنا سؤال يستحق أن نقف معه طويلًا:
إذا كان ذئبٌ قد كان سببًا في هداية رجل إلى الإسلام، فما الذي قدمناه نحن لنشر دين الله؟
كم من إنسان حولنا يبحث عن كلمة صادقة، أو موقف كريم، أو قدوة حسنة، أو معلومة صحيحة، وربما كان سبب هدايته شيئًا يسيرًا نقدمه نحن دون أن نشعر.
لا تحتقر عملًا في الدعوة إلى الله
قد يظن المسلم أن الدعوة إلى الله لا تكون إلا بالمواعظ الطويلة والمحاضرات الكبيرة، وليس الأمر كذلك.
قد تكون دعوتك:
آيةً تنشرها فينتفع بها إنسان.
حديثًا صحيحًا تذكره لصديق.
كلمة طيبة ترفع بها معنويات مسلم.
تعليمًا لطفل سورة من كتاب الله.
إرشادًا لشخص إلى صلاة أو عبادة.
مشاركةً لمحتوى نافع موثوق.
والنبي ﷺ يقول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً».
فلا تستصغر ما تستطيع تقديمه؛ فقد يكون العمل صغيرًا في عينك، عظيمًا عند الله، وربما كان سببًا في تغيير حياة إنسان.
فقه التعامل مع الحيوان والرفق به
تحمل مقولة البقرة: «إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْنَا لِلْحَرْثِ» أصلاً شرعياً وفقهياً عظيمًا في مقاصد الشريعة الإسلامية المتعلقة بالرفق بالحيوان ومراعاة طبائعه:
تسخير المخلوقات وتحديد وظائفها:
خلق الله الدواب وسخرها للإنسان، ولكن هذا التسخير مقيد بالغاية التي خُلقت لها وبما تطيقه.
البقر: خُلِقت للحرث، والسقي، والحلب، وشق الأرض.
الخيل والبغال والحمير: خُلِقت للركوب والزينة، كما قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8].
النهي عن تحميل الحيوان ما لا يطيق أو استعماله في غير ما هيئ له:
أنكرت البقرة على صاحبها ركوبها وضربها؛ لأن ركوبها وضغط الأحمال على ظهرها ليس من أصل منطق سخرة البقر، بخلاف الخيل والإبل.
وفيه دليل على تحريم إرهاق الحيوان أو ضربه بغير حق، أو اتخاذه كراسِيَّ لغير حاجة.
📝 تطبيق عملي
اجعل لك اليوم سهمًا في الدعوة إلى الله:
اختر فائدة شرعية صحيحة من مصدر موثوق، وشاركها مع شخص واحد على الأقل، واستحضر أنك لا تدري أين يضع الله البركة، ولا من تكون سببًا في هدايته وانتفاعه.
وإذا شاركت فائدة عبر «المصلّي»، فلا تجعل مقصدك مجرد الضغط على زر المشاركة، بل اجعل نيتك في دلالة عبد من عباد الله على الخير.
فربما انتفع بها شخص، ثم علّمها غيره، ثم عمل بها ثالث، فكان لك من الأجر بقدر ما كان لك من الدلالة على الخير، من غير أن ينقص من أجورهم شيء.
🌿 وقفة أخيرة
القصة ليست عن بقرة وذئب فحسب، وإنما عن اليقين والتسليم والدعوة إلى الله.
ثم جاءت قصة أُهبان لتقول لنا: قد يجعل الله من أضعف مخلوقاته سببًا في هداية إنسان، فكيف بنا نحن، وقد شرفنا الله بالعقل والبيان، وأنعم علينا بالقرآن والسنة ووسائل التواصل؟
فماذا سنقدم لدين الله اليوم؟ ومن سيكون سبب هدايته على أيدينا؟
وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy