ليس كل ما تحبه النفس خيرًا لها، وليس كل ما تكرهه شرًّا عليها؛ فكم من شهوةٍ عاجلة أوردت صاحبها موارد الهلاك، وكم من طاعةٍ شقّت على النفس كانت سببًا في رفعة الدرجات والفوز برضا الله.
ومن رحمة الله بعباده أن بيّن لهم الطريق، وحذّرهم من مواطن الزلل، وجاء النبي ﷺ بكلمات قليلة تحمل معاني عظيمة، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
« حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ.[1]» وفي رواية البخاري: «حُجِبَتِ»
قال العلماء: هذا من بديع الكلام، وفصيحه، وجوامعه التي أوتيها ﷺ في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس، والحض على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشق عليها.
ماذا يعني: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ»؟
المكاره هي الأمور التي تثقل على النفس بطبعها، مع كونها مشروعةً ومحبوبةً إلى الله؛ فقد تثقل الصلاة على الإنسان عندما يكون متعبًا أو منشغلًا، وقد يصعب قيام الليل، وقد يشق الصيام على النفس، وقد يحتاج ضبط الغضب والعفو عن المسيء إلى مجاهدة، وقد يؤلم إنفاق المال الذي تحبه النفس.
لكن المؤمن لا يقيس الأعمال بمقدار ما توافق هواه، وإنما ينظر إلى ما يرضي ربه.
المكاره: يدخل فيها الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو والحلم، والصدقة والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات، ونحو ذلك.
الشهوات: فالظاهر أنها الشهوات المحرمة، مثل الظلم، وقتل النفس المعصومة، وتعاطي المخدرات والمسكرات، وارتكاب الفواحش، وأكل الربا، والغيبة والنميمة، والاستماع إلى الملاهي المحرمة، ونحو ذلك.
وأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذا الحظر أصلًا، لكن يُكره الإكثار منها مخافة أن تجر إلى المحرمات، ولما تورثه من قساوة القلوب والانشغال عن الطاعات [2].
إنه حديث يرسم للمؤمن حقيقة الطريق إلى الآخرة: فطريق الجنة يحتاج إلى مجاهدة، وطريق النار قد تزيّنه الشهوات وتجعله سهلًا محبوبًا للنفس.
📜 حديث رؤية جبريل عليه السلام للجنة والنار
وقد ورد إيضاح ما سبق بما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
« لَمَّا خَلَقَ اللهُ عز وجل الْجَنَّةَ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا. ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ النَّارَ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا. فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ، فَقَالَ: يَا رَبِّ، وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا .»[3]
🌿 مظاهر المكاره التي حفت بها الجنة
من المكاره التي حفت بها الجنة والتكليفات الشاقة على النفس:
1. إسباغ الوضوء وكثرة الخطا وانتظار الصلاة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
« أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ .[4]»
وقد جمع رسول الله ﷺ في هذا الحديث ثلاثًا من الطاعات العظيمة:
إسباغ الوضوء على المكاره:
كإتمامه مع برودة الماء في الشتاء القارس، أو قلته، أو شدة المشقة.
كثرة الخطا إلى المساجد:
ويقع ذلك في حال بُعد المسجد، وتكرار الذهاب إليه في الظُّلَم والحر والبرد والخوف.
انتظار الصلاة بعد الصلاة:
فإن المؤمن في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه؛ فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
«أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى، ثُمَّ قَالَ: قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا.»[5]
2. الجهاد في سبيل الله
فإنه مكروه إلى النفوس لما فيه من مخاطرة، والنفوس تحب الحياة والبقاء؛ قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[6]
3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
فإنه شاق على النفوس لما يتطلبه من مواجهة الجاهلين، ويتعرض صاحبه غالباً للأذى، ولكنه طريق إلى الجنة، ونجاة من العذاب؛ قال تعالى عن لقمان وهو يوصي ابنه:
﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [7]
4. بذل الأموال والإنفاق في سبل الخير
مع حب النفوس للمال والشح به، فإن إيثار مرضاة الله والرغبة في جنته يبدد هذا الشح؛ قال تعالى:
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[8]
⚠️ شواهد الآثام والشهوات المحرمة المؤدية إلى النار
من الأمثلة على أن من آثر الشهوات المحرمة فقد هتك حجاب النار:
إدمان الخمر والمحرمات:
عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ:
" مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ، إِلَّا أَنْ يَتُوبَ.»[9]
وعنه رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ:
" ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللهُ تبارك وتعالى عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ، مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ، الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخُبْثَ»[10]
الغيبة والوقوع في أعراض المسلمين:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
« لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ [11]»
الظلم والتبرج والسلوكيات المنحرفة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
« صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ، رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا »[12].
ويجمع ذلك كلَّه قولُ الباري سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف: 20]
سؤال لتشجيع التفاعل
💭 ما أكثر معنى أو أثر إيماني أثّر في قلبك من هذا الموضوع وترى أنك بحاجة لتطبقه في حياتك اليوم؟ شاركنا رأيك لنتواصى بالحق!
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
📚 التخريج والمراجع
[1] صحيح البخاري (6487)، ومسلم (2822).
[2] ينظر شرح النووي على مسلم بتصرف (17/ 165)
[3] (حسن) مسند أحمد (8648).
[4] صحيح مسلم (251).
[5] صحيح البخاري (572).
[6] سورة البقرة: 216.
[7] سورة لقمان: 17.
[8] سورة آل عمران: 92.
[9] مسند أحمد (4729)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
[10] مسند الإمام أحمد (6113)، وقال محققوه: حديث صحيح.
[11] مسند الإمام أحمد (1334)، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم.
[12] صحيح مسلم (2128)








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy