في حياة كل إنسان لحظاتٌ يشعر فيها أن الأسباب قد ضاقت، وأن الطريق لم يعد واضحًا، وأن ما يتمناه قد تأخر. قد يبحث عن عمل، أو ينتظر شفاءً، أو يخشى مستقبلًا مجهولًا، أو يواجه مشكلةً لا يعرف كيف يحلها. وهنا يحتاج القلب إلى أعظم عبادة تمنحه الثبات: التوكُّل على الله.
والتوكل ليس استسلامًا للعجز، ولا تركًا للأسباب، بل هو أن تبذل وسعك، وتأخذ بالأسباب المشروعة، ثم تجعل قلبك معتمدًا على الله، واثقًا بحكمته وقدرته.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
التوكُّل وحقيقته
لغةً: التفويض والاعتماد والثقة؛ يقال: وكّلت أمري إلى الله أي فوّضته إليه واعتمدت عليه.
اصطلاحًا: صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة، مع الاعتقاد أنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه.
والمتوكّل على الله: الّذي علم أنّ الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده، ولا يتوكّل على غيره.
الوكيل من أسماء الله الحسنى: وهو القيّم الكفيل بأرزاق العباد، وحقيقته أنّه يستقلّ بأمر الموكول إليه.
ومن أسماء رسول الله ﷺ: المتوكّل.
كما في الحديث: «(سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ) أَيْ عَلَى اللَّهِ لِقَنَاعَتِهِ بِالْيَسِيرِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا كَانَ يَكْرَهُ.[1]»
🕊️ أهمية التوكُّل على الله
التوكل فريضة قلبية، وهي أفضل العبادات وأعلى مقامات التوحيد، وقد جعل الله التوكل شرطًا وعلامة للإيمان، فقال عز وجل: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]؛ فبالتوكل يتحقق الإيمان في القلب، وقال عز وجل: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122].
فالتوكل ليس قولا باللسان أو عملا بالجوارح فحسب، بل هو إيمانٌ ويقينٌ في القلب، ولذلك جعل القرآن التوكل صفة أساسية في المؤمنين، فقال عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2].
الله تعالى يصرف الشيطان عن المتوكلين؛ فقد قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 99]، وأن به تنال جنة رب العالمين: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [العنكبوت: 58 - 59]. فمن أبرز الصفات التي أهلتهم للجنة الصبر والتوكل.
وقد أمر الله عباده المؤمنين بالتوكل، وجاء ذكره في أكثر من خمسين آية.
وفي الصحيحين أن النبي ﷺ ذكر السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ومن صفاتهم:
«هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ»[2]
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: «والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم»[3]
والمتوكل على الله يزول من قلبه أثر الخوف من المخلوق كالذين قيل لهم:
{إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173].
🌱 الأخذ بالأسباب من التوكل
قد يظن بعض الناس أن المتوكل هو الذي لا يعمل ولا يخطط، وهذا خطأ.
التوكل هو عمل القلب واعتماده على الله تعالى في جلب الخير ودفع الشر، وفي جميع أمور العبد كلها الدنيوية والأخروية، أما الأسباب فإنها عمل الجوارح فعلًا وتركًا.
قال ابن قيّم الجوزيّة: التّوكّل من أعظم الأسباب الّتي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التّوكّل.
ولكن من تمام التّوكّل: عدم الرّكون إلى الأسباب.
وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها.[4]
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ.»[5]
فانظر إلى الجمع النبوي البديع: احرص، واستعن، ولا تعجز.
خطط لمشروعك، ثم فوِّض نتائجه إلى الله.
ولهذا قال النبي ﷺ «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ»[6]
فالتوكُّل الصحيح يجمع بين عمل الجوارح واعتماد القلب. 🌿
🐦 الطير: التوكُّل حركةٌ لا قعود
الطائر لا يبقى في عشه منتظرًا رزقه؛ بل يغدو، أي يخرج ويسعى، ثم يعود وقد رزقه الله.
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[7]
اخرج إلى ميدان السعي، وابذل السبب، واجعل قلبك مع الله لا مع السبب.
فالطائر خرج جائعًا، لكنه عاد ممتلئًا؛ لأنه أخذ بالسبب، واعتمد على الرزاق سبحانه. 🐦
فعليك بذر الحب لا قطف الجني … والله للساعين خير ضمين
ومع ضعف كثير من الدواب وعجزها عن السعي في طلب الرزق، قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ} [العنكبوت: 60].
🕋 في الغار: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا»
ومن أعظم قصص التوكُّل قصة هجرة النبي ﷺ مع أبي بكر رضي الله عنه.
حين اشتد طلب المشركين، اختبأ النبي ﷺ وصاحبه في الغار، حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ: مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا.[8]»
وأخذ النبي ﷺ بالأسباب، واختار الطريق، واستعان بالدليل، واتخذ وسائل التخفي، لكنه لم يجعل قلبه أسيرًا للأسباب.
وهكذا ينبغي للمؤمن: يخطط بعقله، ويسعى بجوارحه، ويتوكل بقلبه.
🌊 موسى عليه السلام: عندما تنتهي الأسباب
بلغ التوكُّل ذروته في موقف موسى عليه السلام عندما وصل البحر، وفرعون وجنوده خلفه.
{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61]
فكان جواب موسى عليه السلام:
{قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62]
لم يكن أمام أعينهم طريق ظاهر، لكن موسى كان يرى بقلبه قدرة الله.
فجاء الفرج: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 63]
فانفلق البحر.
وهكذا قد تنتهي حساباتك، وقد ترى الطريق مسدودًا، والله قادر على أن يفتح لك طريقًا لم يخطر ببالك.
🌾 كيف تتوكل على الله عمليًا؟
أولًا: اعرف ربك بأسمائه وصفاته:.
خاصة اسمه (الوكيل، الرزاق، القدير، القادر، الشافي، العزيز)، مما يورث الثقة به سبحانه.
فمن عرف أن الله هو الرزاق والحكيم والقدير، اطمأن قلبه ويزداد قربًا منه..
ثانيًا: الاستعانة بالله مع فعل الأسباب:
كالتخطيط، والعمل، والعلاج، مع تعليق القلب بالله لا بالأسباب.
ثالثًا: أكثر من الدعاء.
عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَنَّ رَسُولَ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: " أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ[9]
رابعًا: لا تتعلق بالنتيجة.
قد تبذل جهدك ولا تحصل على ما أردت، وقد يكون المنع عين الرحمة.
خامسًا: أحسن الظن بالله.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي».[10]
فلا تجعل تأخر الفرج سببًا لسوء الظن بالله.
🌺 خاتمة:
أنت لست مطالبًا بأن تعرف كيف سيأتي الفرج، وإنما مطالب بأن تثق بمن يملك الفرج.
ابذل السبب، واستعن بالله وتوكل عليه، ثم اطمئن.
إن فُتح الباب فاحمد الله، وإن أُغلق فاصبر، وإن تأخر المطلوب فأحسن الظن، وإن ضاقت بك الدنيا فتذكر أن الله لا يعجزه شيء.
شارك هذه الفائدة مع من أثقلته الهموم، فلعل كلمةً صادقة تردُّ إلى قلبه يقينه، وتعلّمه أن وراء كل سببٍ ربًّا قادرًا، ووراء كل ضيقٍ فرجًا، ووراء كل قدرٍ حكمة. 🌿
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[1] فتح الباري لابن حجر (8/ 586 ط السلفية)
[2] صحيح البخاري (6541)، ومسلم (220).
[3] بدائع الفوائد - ط الكتاب العربي (2/ 239)
[4] مدارج السالكين (2/ 394 ط عطاءات العلم)
[5] صحيح مسلم (2664).
[6] (حسن) سنن الترمذي (2517).
[7] سنن الترمذي (2344)، وقال: حسن صحيح.
[8] صحيح البخاري (3653)، ومسلم (2381).
[9] (صحيح) سنن أبي داود (1522)، والنسائي (1303).
[10] صحيح البخاري (7405)، ومسلم (2675).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy