حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> إيمانيات

🌸 الكلمة الطيبة تصنع الحياة

🌸 الكلمة الطيبة تصنع الحياة
2026‏/07‏/22
29٬006

 

تتوق النفوس البشرية دائمًا إلى كلمةٍ عذبةٍ ترتقي بها نحو آفاق الأمل والنجاح؛ فالألفاظ الحسنة بلسمٌ يداوي الجراح، وإكسيرٌ يحيي العزائم الميتة ويشحذ الهمم الفاترة. 

نستكمل فائدة «أسرار وأثر الكلمة الطيبة»، ونسلط الضوء على مواقف تاريخية صنعت أئمةً وغيّرت مجرى التاريخ.

 

الكلمة الطيبة نورٌ يشرق من صدرٍ عامرٍ بالإيمان، ولسانٍ اعتاد الصدق والإحسان، فتبعث في النفوس الأمل، وتغرس في القلوب الطمأنينة، وتوقظ في الأرواح معاني الخير. 

إنها بسمةٌ تسبق الابتسامة، وعطرٌ يفوح من الشفاه، وبلسمٌ يداوي الجراح، ودواءٌ يشفي القلوب قبل الأبدان.

 

وكم من كلمةٍ طيبةٍ أحيت قلبًا أنهكه الحزن، أو أزالت همًّا أثقل صاحبه، أو أصلحت بين متخاصمين، أو فتحت باب هدايةٍ كان موصدًا. ولهذا عظَّم الإسلام شأنها، وجعلها صدقةً يؤجر عليها العبد، وشبَّهها ربنا سبحانه بالشجرة المباركة التي لا ينقطع خيرها،

والكلمة الطيبة تكشف عن مكنون صاحبها من رجاحة العقل، وصفاء القلب، وهي عنوان المتكلم ودليله، ولباسه الساتر، وجماله الظاهر، وعطره الفواح، ومفتاحه إلى القلوب والأرواح، وسفيره الذي يصعد إلى السماء، ليجد حسن الجزاء. قال ربي: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] 

الكلمة الطيبة هي الألفاظ الحسنة التي تخرج من فم الإنسان ابتداء أو جواباً، وتحمل معها الخير والنفع للناس، وتبتعد عن الفحش والبذاء، والإضرار والإيذاء، والشتم والاستهزاء.

 

والكلمة الطيبة ذكرٌ لله تعالى وتسبيح، وتهليل وتكبير، وحمد ودعاء، وشكر وقراءة قرآن، وعلم نافع، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ونصيحة نافعة، وغير ذلك من العبادات القولية.

 

والكلمة الطيبة أقوال طاهرة من السباب وجرح الأعراض، وإيذاء الأسماع، وإيجاع القلوب، وإنبات وغر الصدور.

 

وهي جواب حسن، وَرَدٌّ لطيف على القريب والبعيد، والصديق والعدو. فالمؤمن طيب ولا يتكلم إلا بطيب الكلام. قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [النور: 26]

قال ابن كثير رحمه الله: « الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس، والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس» (1)

هذه النبتة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها لا بد لها من أرض تنبت عليها، فما هذه الأرض الطيبة التي خرجت منها الكلمة الطيبة؟ 

هذه الأرض الطيبة هي نفس المؤمن الذي يحسن عبادة الله تعالى، ويحسن معاملة الخلق، فقد دعاه علمه ومراقبته لله تعالى إلى أن تصدر منه الكلمات الحسنة.

إن الطبع الصافي، والتربية الأسرية الناجحة، والبيئة الصالحة، والقدوة الحسنة، منابت خصبة تنبت المسلم الذي ينبلج من فمه النور الذي يبهج عيون الآخرين، ويشرح صدورهم.

 

وتصدر الكلمة الطيبة من المؤمن عن قوة عظيمة في الانتصار على النفس خاصة عند الخصام والجدال والعداوة، والقوي الحق هو الذي ينتصر على نفسه.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: 

« لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ .» (2)

 

📜 جولة في التاريخ: كلمات صنعت أئمة وغيّرت مجرى التاريخ

إن الكلمة الصادقة المفعمة بالإيمان والتشجيع قد تقع في قلب العبد فتصنع فيه همةً عاليةً، وانطلاقًا نحو المعالي، وتتحول من مجرد لفظٍ عابرٍ إلى مشروع حياةٍ يُخلّد ذكره في السجلات التاريخية. وإليك مواقف ثابتة ومؤثرة تبيّن كيف صنعت الكلمات أئمة الأمة:

1. أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها

عندما نزل الوحي أول مرة على رسول الله ﷺ وجاء يرجف فؤاده من هول الموقف قائلاً: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، كانت كلمات أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها الدرع النفسي الذي ثبت قلبه الشريف؛ إذ لم تكتفِ بالتهدئة المجردة، بل عدّدت مناقبه وأخلاقه قائلةً بكل ثقةٍ ويقين:

«كَلَّا وَاللهِ مَا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ» (3)

لقد كانت هذه العبارات الحكيمة تثبيتًا لأعظم قلبٍ في الوجود عند بداية أعظم رسالةٍ في التاريخ!

 

2. التصريح بالحب النبوي وصناعة علماء الأمة 

صرح النبي ﷺ بحبه الصادق لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، فأخذ بيده يومًا وقال له:

« يا معاذُ والله إني لأحِبُّك" فقال: "أُوصيكَ يا معاذ لا تَدَعن في دُبُر كُل صلاةٍ تقول: اللهُمَّ أعني على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتك» (4)

إن هذه الكلمة النبوية المفعمة بالود والمحبة أورثت معاذًا طموحًا لا يحد وشغفًا بالعلم، حتى قال عنه النبي ﷺ: «وَأَعْلَمُهُمْ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» (5)، فكانت الكلمة وسامًا نبويًا صنع إمامًا وعالمًا للأمة.

 

3. أمنية تصنع أصح كتاب بعد القرآن 

تخيّل لو أن "صحيح البخاري" -أصح كتاب بعد القرآن- لم يُكتب! 

هل تعلم أن هذا المشروع العظيم بدأ بكلمة واحدة؟

يروي أمير المؤمنين في الحديث الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله بداية تدوينه لأصح كتابٍ بعد كتاب الله قائلًا: « كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم كتابا مختصرا لصحيح سنة رسول الله ﷺ، قال: فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح.» (6)

كلمةٌ واحدةٌ وأمنيةٌ عابرةٌ ألقاها شيخٌ في مجلس علم، صنعت أعظم محدث في التاريخ، ليقضي ستة عشر عامًا يجمع، وينقي، ويخرج للأمة أعظم سفرٍ في الحديث الشريف!

هل تريد أن تكون أنت صاحب الكلمة التي تخرج لنا "بخاري" هذا العصر؟

 

4. فراسة الحافظ علم الدين البرزالي مؤرخ الشام تُخرج مؤرخ الإسلام الإمام الذهبي

يقول الإمام حافظ العصر شمس الدين الذهبي رحمه الله عن سبب التحاقه بعلم الحديث وتخصصه فيه، حيث رأى شيخه البرزالي خطه فقال له:

"خَطُّكَ يُشْبِهِ خَطَّ الْمُحَدِّثِينَ".

يقول الذهبي: "فَأَثَّرَ قَوْلُهُ فِيَّ، وَحَبَّبَ اللَّهُ إِلَيَّ طَلَبَ الْحَدِيثِ". (7)

كلمة ثناءٍ يسيرةٍ لا تتجاوز بضع كلمات، حركت الموهبة الكامنة في نفسه، فصنعت إمامًا حافظًا صنف مئات المجلدات وضبط تاريخ الإسلام وسير أعلامه!

5. كلمة تشجيع تصنع راوية مذهب الشافعي 

كان الربيع بن سليمان المرادي تلميذ الإمام الشافعي بطيء الفهم في بداية أمره، "قَالَ الْقفال في فَتَاوِيهِ كَانَ الرّبيع بطئ الْفَهم فكرر الشافعي عَلَيْهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة أَرْبَعِينَ مرّة فَلم يفهم وَقَامَ من الْمجْلس حَيَاء فَدَعَاهُ الشافعي في خلْوَة وَكرر عَلَيْهِ حَتَّى فهم» وقال له بقلب الأستاذ الرحيم:

"يَا رَبِيعُ، لَوْ أَمْكَنَنِي أَنْ أُطْعِمَكَ الْعِلْمَ لَأَطْعَمْتُكَ!".

ولم يكتفِ بذلك بل كان يقول له: "الرَّبِيعُ رَاوِيَةُ كُتُبِي". (8)

هذه الكلمات التي جبرت خاطره وأذابت خجله جعلت منه الحافظ المتقن الذي رحل إليه العلماء من الشرق والغرب ليروا عنه كتب المذهب الشافعي.

6. أدبُ الكلمة قبل العلم

حين أراد الإمام مالك بن أنس رحمه الله طلب العلم في صغره، ألبسته أمه العمامة والثياب الجميلة، وقالت له كلمةً أصلت عنده الأدب قبل العلم.

«اذهب إلى ربيعة فتعلَّم من أدبه قبل عِلمه.» (9)

كلمةٌ بليغةٌ من أمٍّ عاقلةٍ رسمت منهجية الإمام مالك في التعامل مع العلم وشيوخه، حتى صار "إمام دار الهجرة" ونجم العلماء.

💬 خاتمة 

اللسان مغرفة القلب؛ فمتى امتلاء القلب بمعرفة الله ومحبته وذكره، فاض اللسان بأجمل الكلام وأنقاه.

يا أخي، تذكر أن الكلمة الطيبة هي الشجرة التي لا تموت، قد تموت أنت وتفنى، وتبقى كلمتك. فكن "صاحب" أثر لا يزول.

 

إن صياغة الكلام الحسن هي أيسر عبادةٍ وأعظم صدقةٍ تجري على اللسان بغير عناء؛ فالكريم المصطفى ﷺ يخبرنا بقوله: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» (10)

فلنعزم من هذه اللحظة على تطهير ألسنتنا، ولنجعل من كلماتنا مفاتيح للخير والبركة، وبلسمًا يضمد جراح العالم من حولنا. ساهم في نشر هذه الفائدة بين أهلك وإخوانك؛ فالدال على الخير كفاعله!

أخبرنا في التعليقات: هل هناك موقف معين مررت به وشعرت فيه بأثر الكلمة الطيبة عليك؟

_________

1 - تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي (5/ 516)

2 - صحيح مسلم (2609).

3 - صحيح البخاري (3)

4 - (صحيح) سنن أبي داود (1522) وصحيح ابن حبان (1776).

5 - (صحيح) سنن الترمذي (3790)

6 - هدي الساري (ص7 ط السلفية)

7 - ينظر تكملة سير أعلام النبلاء (30/ 423)

8 - طبقات الشافعية الكبرى للسبكي (2/ 134)

9 - ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (1/ 130) 

10 - صحيح البخاري (2989).

 

 

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/07‏/15
55٬243

📌 كَيْفَ نَجْعَلُ الْقُرْآنَ نَبْضَ حَيَاتِنَا؟

فضل القرآن الكريم وتلاوته، وكيف يكون القرآن شفاءً للقلوب، وسببًا لرفعة الدرجات، وشفاعةً لصاحبه يوم القيامة.

2026‏/07‏/17
67٬527

دقائق.. تزيد الشوق إلى الجنة

رحلة إيمانية تزيد الشوق إلى الجنة، وتذكّر بأعظم نعيمها، وتعينك على السير في الطريق الموصل إليها.

2026‏/07‏/20
56٬180

أسرار وأثر الكلمة الطيبة

أسرار وأثر الكلمة الطيبة: كيف تصنع النفوس العظيمة؟

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software