فِي زَحْمَةِ الْحَيَاةِ الْمُعَاصِرَةِ، وَطُغْيَانِ التِّيهِ الرَّقْمِيِّ الَّذِي أَثْقَلَ النُّفُوسَ بِالْقَلَقِ وَأَوْرَثَ الْقُلُوبَ وَحْشَةً وَظُلْمَةً؛ يَبْحَثُ الْمَرْءُ عَنْ مَرْفَأِ أَمَانٍ يَلُوذُ بِهِ، وَنَبْعٍ صَافٍ يَغْسِلُ عَنْهُ رُكَامَ الْهُمُومِ.
وَوَسْطَ هَذَا الصَّخَبِ، يَبْقَى الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ هُوَ الْمَلَاذَ الْآمِنَ، وَالدَّوَاءَ الَّذِي لَا تَنْقَضِي بَرَكَتُهُ. فَمَنْ شَرَحَ صَدْرَهُ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَجَدَ فِيهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ مَا لا يجده في شيءٍ من مَتَاعِ الدُّنْيَا؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ خَالِقِ النُّفُوسِ، الْعَلِيمِ بِخَفَايَاهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9].
وفي هَذِهِ الْوَرَقَةِ الدَّعْوِيَّةِ، نُبْحِرُ مَعًا فِي فَضَائِلِ هَذَا الْكِتَابِ الْعَظِيمِ؛ لِنُحَوِّلَ عَلَاقَتَنَا بِهِ إِلَى مَنْهَجِ حَيَاةٍ.
💎 عَظَمَةُ القرآن.. رُوحٌ وَنُورٌ
قَبْلَ أَنْ تَمْتَدَّ يَدُكَ لِفَتْحِ الْمُصْحَفِ، اسْتَحْضِرْ فِي رُوعِكَ جَلَالَ مَنْ تَتْلُو كَلَامَهُ. لَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُرْآنَهُ بِصِفَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: (الرُّوحُ) وَ(النُّورُ)؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: 52].
فَالْبَدَنُ بِلَا رُوحٍ جُثَّةٌ هَامِدَةٌ، وَالْقَلْبُ بِلَا قُرْآنٍ ظُلْمَةٌ مُوحِشَةٌ؛ فَمَنْ أَرَادَ لِرُوحِهِ حَيَاةً تَسْرِي فِيهَا، وَلِبَصِيرَتِهِ نُورًا يَهْدِيهَا، فَلْيَلْزَمْ مِحْرَابَ التِّلَاوَةِ.
🌾 تِجَارَةٌ لَنْ تَبُورَ.. الْأُجُورُ الْمُضَاعَفَةُ
يَمْنَحُكَ الْقُرْآنُ مَشْرُوعًا اسْتِثْمَارِيًّا عَمْلَاقًا لَا يَعْرِفُ الْخَسَارَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30)﴾ [فاطر: 29-30]
(وَكَانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ يَقُولُ: "هَذِهِ آيَةُ الْقُرَّاءِ").
تَأَمَّلْ مَعِي هَذَا الْفَضْلَ الْمُضَاعَفَ فِي دَقَائِقَ مَعْدُودَةٍ؛ فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»(1)
فَصَفْحَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَسْتَغْرِقُ دَقِيقَتَيْنِ، تَحْوِي مِئَاتِ الْحُرُوفِ الَّتِي تُثْمِرُ آلَافَ الْحَسَنَاتِ!
وَحَتَّى إِنْ وَجَدْتَ صُعُوبَةً أَوْ ثِقَلًا فِي لِسَانِكَ عِنْدَ التِّلَاوَةِ، فَإِنَّ رَبَّكَ الْكَرِيمَ يَجُودُ عَلَيْكَ بِمَزِيدٍ مِنَ الْعَطَاءِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ»(2)
شَفَاعَةُ الْقُرْآنِ وَرِفْعَةُ الدَّرَجَاتِ فِي الْآخِرَةِ
وَمِنْ أَعْظَمِ كَرَامَاتِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ لَا يَتْرُكُ الْقُرْآنُ صَاحِبَهُ وَحِيدًا فِي أَصْعَبِ الْمَوَاقِفِ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْه، بَلْ يَأْتِي مُدَافِعًا حَاجِبًا لَهُ عَنِ النَّارِ؛ قَالَ ﷺ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»(3)
بَلْ يَقُودُهُ نَحْوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ إِذْ يُقَالُ لَهُ: «اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا»(4)
فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الشَّرَفِ شَرَفٌ يَتَسَابَقُ إِلَيْهِ الْعُقَلَاءُ؟
🩺 الشِّفَاءُ التَّامُّ وَالسَّكِينَةُ الْمُفْتَقَدَةُ
لَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ دَوْرَ الْقُرْآنِ يَقْتَصِرُ عَلَى نَيْلِ الثَّوَابِ الْآخِرِيِّ، بَلْ إِنَّهُ "تِرْيَاقُ الحَيَاةٍ" يُصْلِحُ حَالَ الْعَبْدِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].
لَمْ يَقُلِ اللَّهُ "دَوَاءٌ"، لِأَنَّ الدَّوَاءَ قَدْ يُخْطِئُ الْمَرَضَ، أَمَّا الْقُرْآنُ فَهُوَ "شِفَاءٌ حَتْمِيٌّ مَضْمُونٌ" إِذَا تُلِيَ بِيَقِينٍ.
حِينَمَا تَعِيشُ مَعَ الْقُرْآنِ تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا، تَتَحَرَّرُ مِنْ ضُغُوطِ الْقَلَقِ وَالِاكْتِئَابِ، وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِكَ تَحَدِّيَاتُ الدُّنْيَا لِأَنَّكَ رَبَطْتَ قَلْبَكَ بِالْقَوِيِّ الْعَزِيزِ.
صَدَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ قَالَ: (لَوْ طَهُرَتْ قُلُوبُكُمْ مَا شَبِعَتْ مِنْ كَلَامِ رَبِّكُمْ).
وَلِذَا كَانَتْ مَجَالِسُ التِّلَاوَةِ هِيَ مَهْبِطَ الرَّاحَةِ كَمَا بَشَّرَ ﷺ قَائِلًا: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»(5)
⚡ خَارِطَةٌ عَمَلِيَّةٌ: ثَلَاثُ خُطُوَاتٍ لِصُحْبَةِ الْقُرْآنِ
لِكَيْ لَا يَبْقَى هَذَا الْكَلَامُ حَمَاسًا مُؤَقَّتًا، نَضَعُ بَيْنَ يَدَيْكَ أَيُّهَا الْفَطِنُ هَذِهِ الْخُطُوَاتِ الْيَسِيرَةَ ذَاتَ الْأَثَرِ الْكَبِيرِ:
⏱️ سُنَّةُ "الْوِرْدِ الدَّائِمِ" (قَلِيلٌ دَائِمٌ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مُنْقَطِعٍ):
تَعَاهَدْ مَعَ اللَّهِ أَلَّا يَمُرَّ يَوْمُكَ دُونَ أَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَلَوْ كَانَ صَفْحَةً وَاحِدَةً تُخَصِّصُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَ النَّوْمِ.
🎧 وِرْدُ الِاسْتِمَاعِ النَّشِطِ (الْجَلِيسُ الرَّقْمِيُّ الصَّالِحُ):
اسْتَثْمِرِ الْأَوْقَاتَ الْبَيْنِيَّةَ؛ كَأَوْقَاتِ الْقِيَادَةِ، أَوِ الْمُوَاصَلَاتِ، أَوْ أَدَاءِ الْأَعْمَالِ الْمَنْزِلِيَّةِ، فِي تَشْغِيلِ تِلَاوَةٍ مُرَتَّلَةٍ لِقَارِئٍ تُحِبُّ لِصَوْتِهِ.
🌙 صَلَاةُ اللَّيْلِ بِمَا تَحْفَظُ:
اجْعَلْ صَلَاةَ الْوِتْرِ أَوْ رَكْعَتَيْنِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مَحَطَّةً خَاصَّةً تَقْرَأُ فِيهَا بِمَا حَفِظْتَهُ، فَإِنَّ قِرَاءَةَ اللَّيْلِ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا.
🤲 خَاتِمَةٌ وَوَقْفَةٌ مَعَ النَّفْسِ
إِنَّ أَعْمَارَنَا أَنْفَاسٌ تُطْوَى، وَصَحَائِفُنَا تُسَجَّلُ فِيهَا حَرَكَاتُنَا وَسَكَنَاتُنَا، فَلَا تَبْخَلْ عَلَى نَفْسِكَ بِهَذِهِ الْغَنِيمَةِ الْبَارِدَةِ.
إِيَّاكَ أَنْ يَعْلُوَ مُصْحَفَكَ الْغُبَارُ، فَتَكُونَ مِمَّنْ شَكَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَائِلًا: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30].
اجْعَلِ الْقُرْآنَ صَاحِبَكَ فِي الدُّنْيَا، لِيَكُونَ أَنِيسَكَ فِي قَبْرِكَ، وَشَفِيعَكَ يَوْمَ حَشْرِكَ، وَسَبَبَ رِفْعَتِكَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
❓ وَقْفَةٌ مُصَارَحَةٌ:
❓ وَأَنْتَ أَخِي الْغَالِي: مَا هُوَ الْوِرْدُ الْيَوْمِيُّ الَّذِي سَتُعَاهِدُ اللَّهَ عَلَى لُزُومِهِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ لِتَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ؟
وَهَلْ سَتَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِدَايَةَ عَهْدٍ جَدِيدٍ مَعَ الْقُرْآنِ؟
شَارِكْنَا فِكْرَتَكَ لِنَتَعَاوَنَ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى. 🌿
نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيهِ عَنَّا. وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
------------
(1) سنن الترمذي (2910) وقال: حديث حسن صحيح.
(2) صحيح مسلم (798)
(3) صحيح مسلم(804).
(4) سنن الترمذي (2914)وقال «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»
(5) صحيح مسلم (2699)








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy