في عتمة الجاهلية، كانت البنت تُستقبل بوجوه مسودة وقلوب كظيمة، جاء القرآن يفضح هذا الانحراف، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: 58]
تشرق أنوار الإسلام، معلنةً أن البنت لها في رحاب الإسلام قيمة ومكانة عالية، فهي ريحانة الحاضر، ورمز الحياء، وعنوان العفة، وصانعة الأبطال، ومربية الأجيال، لقد أنزلها الإسلام منزلة الحب والاحترام، وجعل لها بحكم فطرتها وطبيعتها رعاية خاصة، إعدادًا للدور الكبير الذي ينتظرها في الحياة لتكون زوجة صالحة، وأم المستقبل، وخير النساء من تعي دورها التربوي والأسري، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
« خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى يَتِيمٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ »(1).
🎁 بناتُنا.. هبة ربانية وبشارة إلهية
ولا تزال بعض بقايا الجاهلية تتسلل إلى القلوب؛ فتجد من يحزن إذا بُشِّر بالأنثى، أو يُظهر الأسف. والمؤمن الصادق يستقبل ما وهبة الله بالفرح والرضا واليقين التام بفضل الله، يرى بشارةً تملأ بيته بالبركة والرحمة وسعة الرزق.
قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: 49-50]
تأمل هذا الترتيب القرآني البديع؛ فقد بدأ سبحانه بذكر الإناث، تطييبًا لقلوب الآباء، ودفعًا لما وقر في النفوس الجاهلية من كراهية طالع الأنثى، وأن الإناث نعمةٌ تستحق الشكر، لا سببٌ للحزن أو الضيق.
💖 البنات... طريقٌ إلى الجنة ومرافقة النبي ﷺ
من أعظم البشائر التي يغفل عنها كثيرٌ من الناس أن النبي ﷺ جعل الإحسان إلى البنات سببًا لمرافقته في الجنة.
🌿 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:
« مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ» وَضَمَّ أَصَابِعَهُ .» (2)
وفي رواية
«مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ دَخَلْتُ أَنَا وَهُوَ الجَنَّةَ كَهَاتَيْنِ»، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ.(3)
وفي حديث آخر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال:
« مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ . (4)»
فأي تجارةٍ أعظم من تجارةٍ يكون ربحها الجنة، وجوار النبي ﷺ؟
البنات لسن عبئاً، بل هنَّ رحمة وجنة في الدنيا والآخرة لمن اتقى الله فيهنَّ وأحسن إليهنَّ.
هدي النبي ﷺ مع بناته 🌺
لم يكن النبي ﷺ يوصي بالبنات فحسب، بل كان القدوة العملية في معاملتهن. ويظهر أثر هذا الهدي العملي جليًا في كسر الأغلال الاجتماعية الموروثة.
كان أبًا لأربع بنات (زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة) رضي الله عنهن جميعًا. وعاش معهن تفاصيل الأبوة الحانية خطوةً بخطوة حتى نهاية حياتهن الشريفة.
وفي مشهد بليغ يعلم ﷺ الأمة بأسرها منتهى العطف والرحمة.
عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ « كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِأَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا»(5)
ولما دخلت عليه ابنته فاطمة رضي الله عنها، وكانت تُكنى بأم أبيها لعِظم حنانها ورعايتها لوالدها ﷺ بعد وفاة أمها خديجة رضي الله عنها.
تصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها هذا المشهد الإنساني الراقي:
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلًّا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» قَالَتْ: «وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَامَ إِلَيْهَا فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ مِنْ مَجْلِسِهَا فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا،
فَلَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ﷺ دَخَلَتْ فَاطِمَةُ فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ فَقَبَّلَتْهُ ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ أَكَبَّتْ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا فَضَحِكَتْ»،
فَقُلْتُ: " إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ مِنْ أَعْقَلِ نِسَائِنَا فَإِذَا هِيَ مِنَ النِّسَاءِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ قُلْتُ لَهَا: أَرَأَيْتِ حِينَ أَكْبَبْتِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَفَعْتِ رَأْسَكِ فَبَكَيْتِ ثُمَّ أَكْبَبْتِ عَلَيْهِ فَرَفَعْتِ رَأْسَكِ فَضَحِكْتِ، مَا حَمَلَكِ عَلَى ذَلِكَ "؟ قَالَتْ: إِنِّي إِذًا لَبَذِرَةٌ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ مَيِّتٌ مِنْ وَجَعِهِ هَذَا فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي أَسْرَعُ أَهْلِهِ لُحُوقًا بِهِ فَذَاكَ حِينَ ضَحِكْتُ.(6)
إنها رسالة لكل أبٍ أن ابنته تحتاج إلى الكلمة الطيبة، والابتسامة، والاحتضان، والاحترام، كما تحتاج إلى التوجيه والتربية.
والبنت التي تنشأ وهي تشعر بقيمتها في بيتها، تكبر واثقةً بنفسها، عفيفةً في أخلاقها، قويةً في إيمانها، بعيدةً عن البحث عن الاهتمام في الطرق الخاطئة.
🌱 التربية... ليست طعامًا وكساءً فقط
يظن بعض الآباء أن واجبهم ينتهي بتوفير المأكل والملبس والتعليم الدنيوي، بينما التربية في الإسلام أوسع من ذلك بكثير.
إنها صناعة إنسان.
المطلوب حسن التربية، والرحمة، والعدل، والتعليم، والاحتواء، والصبر على تنشئتهن، حتى يصبحن صالحاتٍ مصلحات.
إنها غرس للعقيدة، وتعليم للصلاة، وربطٌ بالقرآن، وتعويدٌ على الحياء، وغرسٌ للعفة، وبناءٌ للشخصية، وإعدادٌ لزوجةٍ صالحة، وأمٍ واعية، ومربيةٍ للأجيال.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
«وأكثرُ الأولادِ إنَّما جاء فَسَادُهُمْ مِنْ قِبَلِ الآباءِ وإهمالهِم لهم، وتَرْكِ تَعْليمِهم فرائضَ الدِّين وسُنَنِهُ، فأضاعُوهُمْ صغارًا، فلم يَنْتَفِعُوا بأنْفُسِهِمْ، ولم يَنْفَعُوا آباءَهُمْ كِبَارًا»(7)
فكم من أبٍ انشغل بجمع المال، ونسي أن أعظم ميراث يتركه لابنته هو الإيمان والخلق الكريم.
🌸 البنات... رحمةٌ تسكن البيوت
كم من أبٍ وجد في ابنته أعظم أنيس.
وكم من أمٍ لم تجد في كبرها بعد الله إلا ابنتها.
وكم من بنتٍ كانت أكثر برًا، وأرق قلبًا، وأصدق دعاءً، وأعظم وفاءً.
علماها أن عزتها في دينها، وجمالها في حيائها، وقيمتها في إيمانها، وأن رضا الله أغلى من رضا الناس جميعًا.
فربما كانت هذه الطفلة الصغيرة سببًا في نجاتكما يوم القيامة، إذا أحسنتما تربيتها، وأديتما الأمانة التي استرعاكما الله عليها.
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]
📢 انشر هذه الفائدة؛ فلعلها تُدخل السرور إلى قلب أبٍ رزقه الله بنتًا، أو تُصحح مفهومًا خاطئًا، أو تكون سببًا في تربية فتاةٍ صالحة، فيجري لك أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة بإذن الله.
وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
✍️ شاركنا: ما أهم درس أو فائدة استفدتها؟ اكتبها في التعليقات.
---------
(1) صحيح البخاري (5365) ومسلم (2527)
(2) رواه مسلم (2631)
(3) (صحيح) سنن الترمذي (1914)
(4) صحيح البخاري (1418)، ومسلم (2629).
(5) صحيح البخاري (516) ومسلم (543)
(6) سنن الترمذي (3872) «هذا حديث حسن صحيح غريب
(7) تحفة المودود بأحكام المولود (ص337)








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy