سباق نحو الجنان
مِن عظيم فضلِ الله تعالى على عباده، وكمالِ رحمته بهم، أن جعل لهم مواسمَ فاضلةً وأزمنةً مباركةً يتزوّدون فيها من الطاعات، ويتنافسون في ميادين القُرُبات، فتكون فرصةً لتجديد الإيمان، ومضاعفة الأجور، ورفعة الدرجات. ومن أجلِّ هذه المواسم وأعظمِها شأنًا: أيامُ عشرِ ذي الحجة، التي شهد لها النبيُّ ﷺ بأنها أفضلُ أيام الدنيا على الإطلاق.
فهذه الأيام المباركة تمتاز بفضلٍ عظيم، ومزيةٍ خاصة، إذ يكون العملُ الصالح فيها أحبَّ إلى الله تعالى من العمل في سائر أيام العام.
تأمّل ألفاظ النبي ﷺ في وصف هذه الأيام:
عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ: "مَا من أيَّامٍ العَمَلُ الصَّالحُ فِيهِنَّ أحَبُّ إلى اللهِ من هذِهِ الأيَّامِ العَشْرِ". فقالُوا: يَا رسُولَ اللهِ، وَلا الجِهَادُ في سَبيلِ اللهِ؟ فقال رَسولُ اللهِ ﷺ: "وَلا الجهَادُ في سَبيلِ الله، إلَّا رَجُلٌ خَرجَ بِنَفْسهِ وَمَالهِ، فلم يَرْجِعْ من ذلكَ بِشَيْءٍ» (1).
فإذا كان هذا وصفها.. فكيف يكون أجر العاملين فيها؟
فيا لها من فرصةٍ عظيمة، وموسمٍ كريم، جديرٍ بالمسلم أن يُقبِل فيه على ربِّه، ويغتنم ساعاته بالإكثار من الذكر، والصلاة، والصيام، والصدقة، وسائر الأعمال الصالحة؛ رجاءَ رحمة الله، وطمعًا في مضاعفة الأجر والثواب.
وقد بيَّن بعضُ أهلِ العلمِ جانبًا من الحكمة في تفضيلِ عشرِ ذي الحجة على سائرِ أيام الدنيا، فذكروا أنَّ سرَّ ذلك يعود إلى اجتماعِ أمهاتِ العبادات والطاعات فيها على وجهٍ لا يجتمع في غيرها؛ فهي بحقٍّ أيامُ الكمال التعبُّدي، وميدانُ اجتماعِ القُرُبات بأنواعها.
ففيها تُؤدَّى الصلواتُ المفروضةُ كما في سائر الأيام، وفيها الصدقةُ لمن وجبت عليه أو أراد التقرُّب بها، وفيها الصيامُ لمن تطوَّع، أو لمن لم يجد الهدي من الحُجَّاج، وفيها الحجُّ إلى بيت الله الحرام، ذلك الركنُ العظيم الذي لا يكون إلا في هذه الأيام، كما يكثر فيها الذكرُ، والتكبيرُ، والتلبيةُ، والدعاءُ، وهي كلُّها عباداتٌ تُظهِرُ معاني التوحيد والخضوع لله تعالى.
فاجتماعُ هذه العبادات الجليلة في زمنٍ واحدٍ هو من أعظم أسباب شرف هذه الأيام وفضلها، ولذلك لم يُضاهِها موسمٌ آخر، ولم يُساوِها زمانٌ سواها؛ إذ اجتمع فيها من أنواع الطاعات ما تفرَّق في غيرها، فكانت فرصةً عظيمةً لأهل الإيمان ليتزوّدوا من البرِّ، ويتنافسوا في مرضاة الرحمن.
برنامجك الإيماني في العشر📋
اجعل لك في العشر خطةً متنوعة من ذكرٍ وقرآنٍ وصيامٍ وصدقة، واحذر القواطع؛ فإنها تبدأ صغيرة ثم تحرمك خيرًا كثيرًا.
كيف نغتنم عشر ذي الحجة؟
هذه الأيام المباركة لا تتجاوز عشرة أيام، وعدد ساعاتها 240 ساعة، فما الذي ينبغي للمسلم ـ غير الحاج ـ أن يملأ به صحيفتَه؟
أولًا: الإكثار من ذكر الله تعالى
أعظم ما يُتقرَّب به إلى الله في هذه الأيام: الذكر، ولا سيما التكبير، والتهليل، والتحميد، والتسبيح؛ فهي من أحب الأعمال إلى الله، وقد أمر بها سبحانه فقال:
قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: الأيام المعلومات: أيام العشر.
وعَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ» (2).
أحيوا سنة التكبير
من أعظم شعائر عشر ذي الحجة: إظهار التكبير في المساجد، والمنازل، والطرقات، والأسواق؛ إعلانًا بتعظيم الله وإجلاله.
يجهر به الرجال، ويُسرّ به النساء.
والتكبير في هذه الأيام نوعان:
تكبيرٌ مطلق: ويكون في جميع الأوقات، في البيت، والطريق، والعمل، والأسواق.
تكبيرٌ مقيَّد: ويكون عقب الصلوات المفروضة، من فجر يوم عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق.
فلنُحيِ هذه الشعيرة العظيمة، ولنُعطِّر ألسنتنا بأحب الكلام إلى الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
وللتكبير في هذه الأيام شأنٌ عظيم، لكنه أصبح من السنن المهجورة عند كثير من الناس، فكن ممّن يحييها؛ فقد قال النبي ﷺ:
«مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا(3)»
وقد ثبت أن عبد الله بن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبّران، فيكبّر الناس بتكبيرهما.
فلا تحرم نفسك أجر الذكر، ولا أجر إحياء السنة، ولا أجر تذكير الناس بتعظيم ربهم.
صِيَغُ التكبير الثابتة في عشر ذي الحجة والعيد 🕋
لم يثبت عن النبي ﷺ صيغةٌ مخصوصةٌ مرفوعةٌ بسندٍ صحيحٍ يُلزم الناسُ بها في التكبير، لكن ثبتت عدةُ صيغٍ عن الصحابة والسلف رضي الله عنهم، وكلها تدور على تعظيم الله وتكبيره، والأمر فيها واسع.
1. تكبير سلمان الفارسي رضي الله عنه (وهو من أصحّ ما ورد)
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرًا.
2. صيغة ابن مسعود رضي الله عنه
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
3. الصيغة المشهورة عند كثير من المسلمين
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
ثانيًا: صيامُ أيامها، ولا سيما يوم عرفة
الصيام من أجلِّ الطاعات في هذه الأيام، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يصوم تسع ذي الحجة، ومن لم يستطع صيام الأيام كلها، فلا يفوته صيام يوم عرفة؛ فقد قال النبي ﷺ: «صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ»(4)
تأمّل: ذنوب سنتين كاملتين تُمحى بصيام يوم واحد!
فأيُّ حرمانٍ أعظم من أن يمرَّ هذا الفضل على العبد وهو غافل؟
ثالثًا: التقرب إلى الله بالأضحية
من أعظم شعائر هذه الأيام: الأضحية سنةٌ مؤكدةٌ في حق الموسر، بل ذهب بعض أهل العلم إلى وجوبها.
حافظ عليها النبي ﷺ طوال حياته بعد الهجرة، وهي من أحب الأعمال يوم النحر.
والأضحية أفضل من التصدّق بثمنها؛ لأن المقصود منها إقامة هذه الشعيرة العظيمة، وإظهار معنى التعبد لله بالنسك، قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
رابعًا: العناية بالفرائض أولًا
الصلاة أول الغنائم
حافظ على الفرائض في جماعة في أول وقتها ، وتمسّك بالسنن الرواتب؛ فهي من أحب القربات إلى الله بعد الفرائض.
احرص على ركعتي الضحى (صلاة الأوابين) لتبدأ يومك بصدقة عن كل مفصل من جسدك.
القرآن رفيقك في العشر
كل حرفٍ بعشر حسنات، فاجعل لك وردًا ثابتًا؛ ولو جزءًا بعد كل صلاة، فلعلّك تختم مراتٍ في هذه الأيام المباركة ؛ فأنت في أيامٍ تُضاعف فيها الأجور.
خامسا: اجتناب المعاصي والتوبة الصادقة
كما أن الطاعات تتضاعف في هذه الأيام، فإن الذنوب فيها أعظم خطرًا؛ لأنها أيامٌ فاضلة من الأشهر الحرم.
إذا كنتَ ممّن اجتهدوا في رمضان، فهذه الأيام فرصةٌ لتجديد العهد مع الله:
أكثر من تلاوة القرآن.
حافظ على الأذكار.
تصدّق ولو بالقليل.
بِرَّ والديك.
صِل رحمك.
أكثر من الدعاء.
ادعُ غيرك إلى الخير.
خاتمة
فيا عبد الله، هذه أفضل أيام الدنيا قد أظلّتْك، وهذه أبوابُ الخير قد فُتحت لك، وهذه مواسمُ الرحمة قد أقبلت عليك؛ فلا تكن من الغافلين.
وجدِّد فيها عهد الطاعة، وأحْيِ قلبك بالذكر، ولسانك بالتكبير، وجوارحك بالطاعات، فلعلَّ سجدةً صادقة، أو دمعةَ ندم، أو صدقةً خفيّة، تكون سببًا في مغفرة ذنوبك ورفعة درجتك.
ولا تدع هذه الأيام تمرّ كما مرّت غيرها؛ فإن الفائزَ حقًّا من عرف قدرها، وشمّر فيها، وسابق إلى رضوان ربّه، والخاسرَ من أدركها ثم خرج منها محرومًا.
أيام العشر لا تنتظر أحدًا، والسباق فيها بالقلوب لا بالأبدان فقط.
نسأل الله تعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعلنا فيها من المقبولين الفائزين.
وصلّى الله وسلّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
------------
(1) صحيح البخاري (969) وأبو داود (2438)، والترمذي (767) واللفظ له وابن ماجه (1727).
(2) (صحيح) مسند أحمد (6154)، (5446).
(3) (صحيح) سنن ابن ماجه (209)
(4) صحيح مسلم (1162)








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy