مثير الشوق والغرام إلى حج البيت الحرام
نستكمل بإذن الله تعالى ما مضى من الفائدة السابقة، فضل الحج وثمراته الإيمانية (2). علّها تكون زادًا للقلب ونورًا للدرب، سائلين الله تمام النفع والقبول.
سابعًا: الحج ينفي الفقر والذنوب
قد يتوهم الإنسان بأنه إذا انفق ماله في الحج والعمرة، فقد يؤدي ذلك إلى نقص ماله، وتعرضه للحاجة والفاقة؛ فأراد النبي ﷺ أن يزيل هذا الوهم والخوف، فبيَّن أن إنفاق المال في الحج والعمرة والمتابعة بينهما جلب للرزق، ونفي للفقر عن العبد بإذن الله؛
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ»(1).
وهذا يدل على أن الحج سبب في البركة في الرزق، ومحو الذنوب.
والمحروم من وسَّعَ اللَّه عليه ثم لم يزر البيت العتيق
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «قَالَ الله إِن عبدا أصححت لَهُ جِسْمه ووسعت عَلَيْهِ فِي الْمَعيشَة تمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ.» (2).
ثامنا: الحج مدرسة في تحقيق التوحيد
الحجُّ قائمٌ على توحيد الله وتعظيمه؛ فالحاج يلبِّي قائلًا:
«لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
وهذه التلبية إعلانٌ صريح بالتوحيد، وتبرؤٌ من الشرك، وتجديدٌ لعهد العبودية لله. فالحاج يرددها في طريقه، وفي طوافه، وسعيه، ومناسكه، فتترسخ في قلبه عقيدة التوحيد، ويزول ما قد يكون علق به من شوائب الرياء أو التعلق بغير الله.
تاسعًا: الحج يرسخ وحدة الأمة الإسلامية
من أعظم مقاصد الحج أنه يجمع المسلمين من كل الأقطار، على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، في مكان واحد، وعبادة واحدة، وشعار واحد. وهذا يرسخ معنى الأخوة الإسلامية، ويزيل الفوارق المصطنعة.
يرى الحاج ملايين المسلمين يصلون معه، ويطوفون معه، ويدعون ربًا واحدًا، فيدرك أن الأمة واحدة، وأن الدين يجمعهم رغم اختلاف الأعراق واللغات. وهذا المشهد يغرس في القلب معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92] وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]
عاشرًا: الحج يُثمر التقوى
الغاية العظمى من الحج هي تحقيق التقوى؛ قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 197]
فالحج ليس مجرد أعمال ظاهرية، بل مقصده إصلاح القلب، وتعظيم الله، وخشيته.
حادي عشر: الحج أفضل الجهاد
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللهِ، نَرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: لَا، لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ».(3).
فجعل النبي ﷺ الحج أفضل جهاد للنساء والضعيف الذي لا يستطيع.
خاتمة: دعوة إلى اغتنام هذه العبادة العظيمة
إن الحج ليس مجرد رحلةٍ موسمية، بل هو ميلادٌ جديد للروح، وتوبةٌ صادقة، فمن وفقه الله للحج فقد فُتح له بابٌ عظيم من الرحمة، ومن حُرم الحج فليعزم وليتهيأ وليدع الله أن يكتب له هذه النعمة.
فيا من اشتاقت نفسه إلى بيت الله، ويا من تاقت روحه إلى الطواف بالكعبة، ويا من يرجو مغفرة الذنوب:
اجعل الحجَّ مشروعَ حياتك، واستعد له بالتوبة، والإخلاص، ورد المظالم، وحسن الخلق، فإن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.
نسأل الله أن يرزقنا حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، وأن يكتب لنا زيارة بيته الحرام، وأن يجعلنا من المقبولين.
انشر هذه الفائدة لتدلَّ غيرك على فضل الحج، فالدال على الخير كفاعله، ولعل كلمةً تصل إلى قلبٍ فتكون سببًا في حجٍ مبرورٍ لصاحبها.
وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.📢
هل انتفعت بالفائدة.
____________
(1) سنن الترمذي (810) وقال حديث حسن صحيح.
(1) (صحيح) أخرجه أبو يعلى (1031) ، والبيهقي (10172) ، وابن حبان (3703)
(1) صحيح البخاري (1520).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy