مثير الشوق والغرام إلى حج البيت الحرام
الحديث عن فضل الحج حديثًا عن مدرسةٍ تربويةٍ إيمانيةٍ متكاملة، تعيد بناء الإنسان من داخله، وتغرس فيه أعظم مقاصد العبودية، وتُنشئه على التقوى والخضوع لله تعالى.
يا سائرينَ إلى البيتِ العتيقِ لقَدْ سِرْتُم جُسُومًا وسِرْنَا نحنُ أروَاحَا
إنّا أقَمْنَا علَى عُذرٍ وعن قدرٍ ومن أقام على عذرٍ كَمَنْ رَاحَا
أولًا: الحجُّ ركنٌ عظيم من أركان الإسلام متى فرض؟
فُرِضَ الحج على الصحيح سَنَة تسع من الهجرة، وهي سنة الوفود التي نزلت فيها سورة آل عمران وفيها قول الله تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران:97).
الحجُّ عبادةٌ عظيمة جعلها الله تعالى ركنًا من أركان الإسلام.
في الصحيحين عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»(1).
وهذا يدل على أن الحجَّ ليس نافلةً، بل هو أصلٌ من أصول الدين، لا يكتمل بناء الإسلام إلا به لمن استطاع إليه سبيلًا.
وقد أجمع أهل السنة على وجوبه مرةً في العمر لمن توفرت فيه شروط الاستطاعة.
ثانيًا: الحجُّ من أفضل الأعمال عند الله
جاءت النصوص الكثيرة في بيان فضل الحج، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ. قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ»(2).
وهذا يدل على عظم منزلته، ورفعة درجته، وأنه من أعظم القربات إلى الله تعالى.
والحجُّ المبرورُ هو الذي لا تُخالِطُه المآثمُ ولا تشوبُه المعاصي، وقيل: هو المقبولُ الذي يُقابَلُ بالبرِّ، أي بالثوابِ الجزيل. ولا يتحقَّق ذلك إلا إذا كان خالصًا من البدع، واقعًا على وفق السُّنَّة، وكان من كسبٍ حلال، قصدَ به صاحبُه أداءَ الفريضة، وامتثالَ أمرِ اللهِ تعالى، وابتغاءَ وجهِه الكريم، وعلامته أن تظهر ثمرته على صاحبه، بأن تكون حاله بعد الحج خيرًا منها قبله.
ثالثًا: الحج سبب لمغفرة الذنوب كلها
من أعظم فضائل الحج أنه سببٌ لمغفرة الذنوب، بل الرجوع من الحج كيوم الولادة من الذنوب.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»(3).
وهذا الحديث من أعظم البشارات؛ إذ يرجع الحاجُّ طاهرًا من الذنوب، نقيًّا من الخطايا، وكأنَّه وُلد من جديد. وهذه المغفرة تشمل الذنوب السابقة إذا كان الحج مبرورًا.
رابعًا: الحج المبرور جزاؤه الجنة
وهذه من أعظم الفضائل، إذ ليس للحج المبرور جزاء إلا الجنة.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ.» (4).
«الجنَّة هي منتهى الآمال، وهي الجائزة الكبيرة لفضائل الأعمال، ومن أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الرب تبارك وتعالى.» (5).
فالحج وغيره من صالح الأعمال من أسباب تكفير السيئات، إذا أداها العبد على وجهها الشرعي، لكن الكبائر لابد لها من توبة؛ لما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ»(6). وذهب الإمام ابن المنذر رحمه الله وجماعة من أهل العلم إلى أن الحج المبرور يكفر جميع الذنوب؛ لظاهر الحديثين المذكورين.
وهذا يدل على أن الحج المبرور يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات، ويُوصله إلى أعظم الغايات.
«وسئل الحسن البصري: ما الحج المبرور؟ قال: أن يرجع زاهدا في الدنيا، راغبا في الآخرة.» (7).
خامسًا: التلبية شعارُ التوحيد ومعانيها الإيمانية:
للتلبية في الحجِّ منزلةٌ عظيمةٌ وأهميةٌ خاصة؛ وهذه التلبية إعلانٌ صريحٌ بالتوحيد، وتجديدٌ وتجريد العبادة لله تعالى.
إذ تعبِّر عن امتثال العبد لنداء ربِّه، وإقباله عليه بقلبٍ خاشعٍ ونفسٍ متجردة. فالحاج يلبِّي ويرفع صوته قائلاً:
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». (8).
فهو يلبِّي نداءَ ملكِ الملوك وحده، متجردًا من علائق الدنيا وشهواتها، محبوسَ القلب على تعظيم الله، مستحضرًا جلاله وعظمته. والتلبيةُ إعلانٌ بالتوحيد، وتجديدٌ لعهد العبودية، وإظهارٌ للانقياد المطلق لله تعالى.
كما أن رفع الصوت بالتلبية شهادةٌ للعبد؛ إذ يشهد له ما حوله من الجمادات، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ»، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا. (9).
وهذا يدل على عِظَم شأن التلبية، وأنها شعارُ التوحيد، وصوتُ الإيمان، واستجابةُ العبد لنداء ربِّه، يُسمِع بها الأرضَ ومن عليها، وتكتب له شهادةُ الكون كلِّه.
والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة، ورمي الجمرات، كلها شعائر تُعلِّم العبد الاستسلام لله، والانقياد له، دون تعليل أو اعتراض.
سادسًا: الحج تدريب على الصبر ومجاهدة النفس
الحج عبادةٌ مليئة بالمشقة؛ سفر، وزحام، وحر، وانتظار، وانتقال بين المشاعر. وهذه المشقة ليست عبثًا، بل لتربية النفس على الصبر والتحمل.
قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 197]
فالحاج مأمور بضبط لسانه، وكف أذاه، والصبر على الناس، وتحمل الزحام، وكظم الغيظ، وهذا كله تدريب عملي على حسن الخلق.
سئل سعيد بن جبير: أي الحاج أفضل؟ قال: من أطعم الطعام وكف لسانه.
ولقد صدق من قال:
جراحات السنان لها التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان
إن الحج مدرسة تربي النفوس وتهذب الأخلاق وتعود الإنسان على احتمال المكاره وتعلمه البطولة والإقدام وتنزع من قلبه الخور والإحجام وتنمي فيه ملكة الصبر والجلد وتغرس في نفسه التضحية والبذل والسخاء وتحبب إلى نفسه الاغتراب والارتحال.
اللهم ارزقنا حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، وعودةً صادقةً إلى طاعتك، إنك سميع مجيب.
وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا تنس النشر والمشاركة لتعمّ الفائدة ويعظم الأجر 📢
لاستكمال الفائدة الرجاء اضغط هنا.
هل انتفعت بالفائدة.
____________
(1) صحيح البخاري (8)، ومسلم (16).
(2) صحيح البخاري (26)، ومسلم (83).
(3) صحيح البخاري (1521)، ومسلم (1350).
(4) صحيح البخاري (1773)، ومسلم (1349).
(5) توضيح الأحكام من بلوغ المرام البسام (4/ 6)
(6) صحيح مسلم (233)
(7) مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن (ص68) جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي.
(8) صحيح البخاري (1549)، ومسلم (1184).
(9) (صحيح) سنن الترمذي (828).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy