ما من إنسان، منذ أن خلق الله الأرض ومن عليها، إلا وهو يبحث عن السعادة والرضا والطمأنينة في حياته، ويسعى من أجل تحقيق ذلك ويكدح كي يدرك بغيته ويصل إلى مطلوبه.
أملٌ إليه هفت قلوب الناس في الزمن التليد
أمل له غور القديم كما له سِحْر الجديد
أمل إليه سعى الملوك كما إليه رنا العبيد
وتزاحموا كالهيم يدفعها الصدى عند الورود
وتساءلوا عنه، ولكن من يجيب ومن يفيد؟
فمُشرِّق ومُغرِّب وكلاهما يرجو البعيد
عادوا وكل سؤالهم أين السعادة والسعيد؟
وتخالفوا، ولكل قوم وجهة، ولهم عميد
ظنون وأوهام:
يظن كثير من الناس أن السعادة في الغنى والثراء، ويظن آخرون أن السعادة في الجاه والنفوذ والسلطان، بينما يذهب فريق ثالث إلى أن السعادة في الغرام وتحصيل الشهوة ولو بالحرام... إلى غير ذلك من أمور الدنيا وملذاتها، فهل هذا صحيح؟
واقع مرير؟
عبد الرحمن الناصر الخليفة الأموي الذي حكم الأندلس خمسين سنة حُكِي أنه وُجِد بخطه عن أيام السرور التي صَفَتْ له فكانت أربعة عشر يومًا(1).
كريستينا أوناسيس اليونانية، ابنة الملياردير أرسطو أوناسيس، سألها الصحفيون في أحد الحفلات في فرنسا: هل أنتِ أغنى امرأة؟ قالت: نعم، أنا أغنى امرأة ولكني أشقى امرأة.
وهذه أمثلة لا يُقصد بها الحصر، وإنما الإشارة فقط، وإلا فالأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، وكلها شاهدة على أن السعادة الحقيقية ليست في المال ولا في الشهرة، ولا في الشهادات، ولا في المناصب، ولا ما أشبه ذلك من حطام الدنيا.
موانع السعادة:
لا ريب أن هناك موانع كثيرة للسعادة تحول دون الوصول إليها، والتنعم بالعيش فيها، وأهمها:
1 - الكفر: يقول الله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].
هكذا يصور القرآن التعاسة والشقاء تصويرًا دقيقًا.
2- ارتكاب الذنوب والمعاصي: قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)} [طه:124].
قال ابن كثير رحمه الله: «{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي} أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه {فإن له معيشة ضنكا} أي: في الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء»(2)
إذن كيف نعيش السعادة ونحققها؟
إن السعادة الحقيقية في الإيمان والعمل الصالح، فقد قال الحق تبارك وتعالى، ومن أصدق منه قيلًا: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)} [النحل:97].
قال ابن القيم رحمه الله: «قال بعض العلماء: "فكرت فيما يسعى فيه العقلاء، فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، فهذا بالأكل والشرب، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب، فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده، ولم أر في جميع هذه الطرق طريقًا موصلة إليه إلا الإقبال على الله وحده، ومعاملته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء".
فإن سالك هذا الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنأ الوجوه، فليس للعبد أنفع من هذه الطرق، ولا أوصل منها إلى لذته وبهجته وسعادته، وبالله التوفيق» (3)
نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا السعادة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، اللهم آمين.
وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
شارك الفائدة مع أحبابك، فالدال على الخير كفاعله.
______
(1) نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، للمقري (1/379)).
(2) تفسير ابن كثير (5/322).
(3) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم، ص193.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy