الحمد لله الذي شرع لعباده مواسم الخيرات، وجعل لهم من بعد الفرائض نوافل تُكمِّلها، وتُزكّي النفوس بها، وتُرقي بها الدرجات. وإن من رحمة الله بعباده أن فتح لهم أبواب القرب منه في كل حين. فما إن ينقضي شهر رمضان -شهر الصيام والقيام - حتى يُشرع للمؤمن أن يواصل سيره، وألا ينقطع عن طريق الاستقامة، ومن أعظم ذلك: صيام ستة أيام من شوال.
فضل صيام ستة أيام من شوال
صيام ستة أيام من شوال، مستحبٌ عند جمهور العلماء؛ لما ثبت عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»(1)، وهذا الحديث أصلٌ عظيم في بيان فضل هذه العبادة.
وسرُّ ذلك -كما بيّنه أهل العلم - أن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والست من شوال بشهرين، فيكون المجموع كصيام سنة كاملة، ومن داوم على ذلك كل عام فكأنما صام الدهر كله.
عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَشَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ فَذَلِكَ تَمَامُ صِيَامِ السَّنَةِ» (2).
وعند ابن ماجة بلفظ: "مَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعَام: 160] (3)»
وهذا فضل عظيم يدل على سعة رحمة الله تعالى، حيث يُعطي على العمل القليل الأجر الكثير، ويُيسّر لعباده أبواب الخير لمن صدق في طلبها.
الفوائد والأحكام:
صيام الست مستحب عند جمهور العلماء، وهو الراجح لثبوت النص الصحيح الصريح فيه.
فضيلة صيام الست من شوال، وأن من واظب على صيامها مع رمضان فكأنه صام عمره كله، وهذا فضل عظيم، وعمل كبير.
رحمة الله - تعالى - بعباده، ومجازاتهم على الأعمال القليلة ثوابا كثيرا وأجورا عظيمة.
استحباب المبادرة بصيام الست؛ للأمر بالمسابقة في الخيرات، ولئلا يفوت صيامها عليه، أو يشغله عنها شاغل.
يجوز صيامها متتابعة أو متفرقة في الشهر، والأمر في ذلك واسع. والأفضل المبادرة بها بعد يوم العيد؛ مسارعةً إلى الخيرات.
من كان عليه قضاء من رمضان، فإنه يبدأ بالقضاء؛ حتى يصدق عليه أنه صام رمضان كاملًا، ثم يصوم الست بعده، لأن إبراء الذمة من الواجب أولى من فعل المندوب.
هذه النوافل تكمل النقص الحاصل في الفرائض، ولا يخلو المكلف من ارتكاب ما ينقص أجر صيامه ويخرقه من فضول الكلام والنظر والطعام وغير ذلك.
من كان عليه قضاء من رمضان، هل يصوم الستة قبل القضاء؟
الظاهر من حديث أبي أيوب المتقدم أن حوز فضيلة ثواب صوم الدهر مشروطة بصيام رمضان ثم إتباعه بست من شوال، فلا يقدم صيام الست على قضاء رمضان... إلا أن يقال إن قوله «ثم أتبعه ستًّا» خرج مخرج الغالب فليس له مفهوم، فيجوز حينئذ صيام الست قبل قضاء رمضان لا سيما لمن ضاق عليه شوال لو قضى، وهذا يحتمله إطلاق حديث ثوبان، والله أعلم. (4)
صيام الست.. دليل القبول
من المعاني الإيمانية الدقيقة: أن توفيق العبد للطاعة بعد الطاعة علامة على قبول الأولى؛ فإن من علامات القبول أن يُتبع الحسنة بالحسنة.
فصيام الست من شوال بعد رمضان شاهد عملي على أن القلب ما زال حيًّا، وأن أثر رمضان لم ينقطع، وأن العبد لم يودّع الطاعة بانقضاء الشهر.
ولهذا كان السلف يعدّون الاستمرار على الطاعة بعد المواسم من أعظم البشارات، إذ الثبات دليل الصدق، والانقطاع علامة الفتور.
جبر النقص في الفرائض
لا يخلو صيام العبد - مهما اجتهد - من نقصٍ أو تقصير، سواء في حفظ الجوارح، أو في كمال الإخلاص، فجاءت النوافل لتجبر هذا الخلل.
وصيام الست من شوال بمنزلة السنن الرواتب بعد الصلاة، تُكمّل ما نقص من الفريضة، وتسدّ ما فيها من خلل، وهذا من تمام رحمة الله بعباده.
معنى الاستمرار في الطاعة
إن من أعظم الدروس التي يتعلمها المؤمن من هذه العبادة: أن رب رمضان هو رب شوال وسائر الشهور، وأن العبادة ليست موسمية، بل هي منهج حياة.
فليس العجب ممن يجتهد في رمضان، وإنما العجب ممن يثبت بعد رمضان.
خاتمة
يا من أكرمك الله بصيام رمضان، لا تجعل نهاية الشهر نهاية الطاعة، بل اجعلها بداية الثبات والاستمرار. وصيام الست من شوال فرصة عظيمة لربط القلب بالله بعد الموسم، وعلامة على صدق العبد في طلب القبول.
فبادر - رحمك الله - إلى هذه العبادة، واحتسب الأجر عند الله، واعلم أن الطريق إلى الله لا ينقطع، وأن أعظم الكرامة: دوام الاستقامة.
نسأل الله أن يتقبّل منا ومنكم، وأن يجعلنا من المقبولين، وأن يرزقنا الثبات حتى الممات. 🌿
إن وجدت لهذه الفائدة أثرًا في قلبك، فشاركها مع من تحب.
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة
_________
(1) صحيح مسلم (1164)
(2) (صحيح) مسند أحمد (22412)
(3) (صحيح) سنن ابن ماجه (1715).
(4) صحيح فقه السنة (2/ 134)








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy