إذا أقبلت العشر الأواخر من رمضان أقبل معها موسمٌ عظيم من مواسم الطاعة، تتضاعف فيه الهمم، وتسمو فيه الأرواح، وتتهيأ القلوب لاغتنام ما بقي من أيام الشهر المبارك. فهي ليالٍ مباركة اختصها الله بمزيد الفضل، وجعل فيها من الخيرات والنفحات ما يدعو المؤمن إلى مضاعفة الاجتهاد، وصدق الإقبال على ربه.
فهلمّوا إلى القرب من الرب بالطاعة. فهي في العشر الأواخر أعظم فضلًا، وأرفع قدرًا، وأكثر أجرًا؛ فهي عشر النفحات، وإقالة العثرات، وتكفير السيئات، وإجابة الدعوات. عشرٌ تصفو فيها الأوقات للمناجاة، والانكسار والتضرع وسكب العبرات بين يدي رب الأرض والسماوات؛ فكم فيها من عتيقٍ من النار، وطليقٍ من عذابها، وكم من أسيرٍ للذنوب وصله الله بعد انقطاع، وكتب له السعادة بعد شقاء، ببركة توبةٍ صادقة، وما قُدِّم فيها من الباقيات الصالحات.
هدي النبي ﷺ في اغتنام ليالي العشر
وقد كان هديُ النبي ﷺ في هذه العشر هديًا متميّزًا يدل على عظيم قدرها ورفعة منزلتها؛ روى مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ»(1).
إيقاظ الأهل للعبادة
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديثها رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ: أَحْيَا اللَّيْلَ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ»(2).
أحيا ليله أي بالصلاة والذكر والدعاء، وأيقظ أهله أي أيقظهم من نومهم ليجتهدوا في الصلاة والذكر والتضرع.
وهذه السنة قد لا ينتبه لها بعض المسلمين، والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
أما شد المئزر فقد قال كثير من أهل العلم: إنه كناية عن اعتزال النساء والتفرغ للعبادة، ولذلك كان ﷺ يعتكف في هذه العشر في المسجد، وينقطع عن الدنيا ويخلو بربه يدعوه ويناجيه ويسأله ويتضرع إليه.
فحريٌّ بالمؤمن إذا أقبلت هذه الليالي المباركة أن يشدَّ المئزر، ويوقظ قلبه وأهله، ويغتنم ما فيها من الخيرات قبل أن تُطوى صحائفها، وتفوت مواسمها.
الاعتكاف مدرسة إصلاح القلوب
والاعتكاف من أنفع العبادات لإِصلاح القلوب، وجمع الهمم، والتخلص من العيوب، ومن جرب عرف.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ(3).
التماس ليلة القدر
وحسْب هذه العَشْر فضلاً وشرفًا: أن خصَّها الله بليلة القدر، التي تَفْضُل العبادة فيها عبادة ألف شهر، ليلة تجري فيها أقلام القضاء والتقدير، بإسعاد السعداء، وشقاوة الأشقياء، ورفعة منازل الأبرار، وخفض درجات الفجَّار، إنها ليلة الشرف العظيم، فيها يفرق كل أمر حكيم، فهي حَرِيَّة بالتعظيم والتكريم، جديرة باحيائها بالعبادة، وطول القيام والركوع والسجود، لعظمة العظيم، وطاعة الرب المنعم الكريم.
ما الحكمة في تخصيص النبي ﷺ للعشر الأواخر بكثرة الاعتكاف والاجتهاد في طاعة الله.
فالجواب: أن النبي ﷺ فعل ذلك التماسًا لليلة القدر.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: « إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ عَلَى سُدَّتِهَا حَصِيرٌ، قَالَ: فَأَخَذَ الْحَصِيرَ بِيَدِهِ فَنَحَّاهَا فِي نَاحِيَةِ الْقُبَّةِ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فَكَلَّمَ النَّاسَ، فَدَنَوْا مِنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ»(4).
في قبة تركية أي: قبة صغيرة من لبود.
فهذه الليلة ليلة عظيمة مباركة، لا يحرم خيرها إلا محروم، وهي في العشر الأواخر تنتقل فيها كما يريد الله.
وعن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله ﷺ قال: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»(5).
وفي السبع الأواخر آكد،
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ أُروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ»(6).
وكان أُبي بن كعب يحلف: لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. قال «وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقِيَامِهَا. هِيَ لَيْلَةُ صَبِيحَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَمَارَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا»(7).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قَدْ رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأُنْسِيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي كُلِّ وِتْرٍ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: مُطِرْنَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فِي مُصَلَّى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَقَدِ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَوَجْهُهُ مُبْتَلٌّ طِينًا وَمَاءً(8).
فوكف المسجد: أي قطر ماء المطر من سقفه.
قال الحافظ ابن حجر: «أنها في وتر من العشر الأخير وأنها تنتقل كما يفهم من أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار العشر(9)»
وهذه حكمة إلاهية فلو حددت لاجتهد الناس فيها وتركوا بقية الليالي، واستوى في ذلك المجتهد والكسول.
بشائر المغفرة وعلامات القبول
يقول رسول الله ﷺ: ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا؛ غُفر له ما تقدَّم من ذنبه))، ومَنْ منَّا يا عباد الله من لا تتطلع نفسه إلى هذا الجزاء العظيم، والفيض العميم، والتخلُّص من تبعات الذنوب؟
وقيام ليلة القدر إنما يكون بالتهجُّد فيها والصلاة والدعاء، وقد أمر رسول الله ﷺ أمَّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تدعوَ فيها، وتسأل الله العفوَ كشأن المقصِّرين، والله سبحانه هو العَفُوُّ الكريم، وجميع الذنوب صغيرة في جنب عفو الله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].
تحذير من الغفلة في زمن الغنائم
فيا لسعادة من شقّ طريقه إلى الجنة بعمل أهلها، وهاجر في هذه العشر إلى الله، فهجر لأجله كل محبوب ومرغوب، وانشغل بطلب رضاه؛ فتمت له الفرحة يوم الجوائز، وكان من أكرم القادمين على الله. ولقد رسم رسول الهدى ﷺ للأمة في هذه العشر خير نهجٍ يبلغ الغاية ومنازل السعداء.
ألا وإن من الغُبن البيِّن: أن ينصرف بعض الناس عن العبادة في هذه العشر، وينشغلوا بإعداد اللِّباس والزينة، والاستعداد للعيد بالمباهج والزخرف، وترتفع نسبة اللاهين الذين يجوبون الأسواق طلبًا للمتعة، أو يقضون هذه الليالي الفاضلة في اللهو والعبث، وسماع الأغاني، ومتابعة التمثيليات الماجنة؛ وليس ذلك بالمسلك السديد ولا النهج الرشيد.
شارك من أحببت، فالدالّ على الخير كفاعله.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة
____________________
(1) صحيح مسلم (1175).
(2) صحيح البخاري (2024)، وصحيح مسلم (1174).
(3) صحيح البخاري (2026)، وصحيح مسلم (1172).
(4) صحيح البخاري (2018)، وصحيح مسلم (1167).
(5) صحيح البخاري (2017).
(6) صحيح البخاري (2015)، وصحيح مسلم (1165).
(7) صحيح مسلم (762).
(8) صحيح البخاري (2027)، وصحيح مسلم (1167).
(9) فتح الباري لابن حجر (4/ 266)








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy