ها هي رياح وداع رمضان أخذت تهبُّ على القلوب التي تعلقت بربها، وما بين دمعة حزن على رحيل الضيف العزيز، ولهفة أمل في نيل العتق الكبير، تبرز "العشر الأواخر" كتاجٍ مرصع بالرحمات، وميدانٍ أخير لسباق المتقين.
إنها أيامُ الختام، والفرصة الأخيرة لترميم ما انكسر، والاستدراك لما فات من غرر، وفي هذه الليالي المباركة يغدو ذكر الله هو الحبل المتصل بالسماء، والواحة التي تستريح فيها الأرواح من عناء الدنيا وكدرها.
فالذكر ليس مجرد كلمات تُقال؛ بل هو حياةٌ للقلب، وسكينةٌ للروح، ونورٌ يهدي صاحبه في طريقه إلى الله، وإذا كان الذكر مطلوبًا في كل وقت، فإن منزلته تعظم في رمضان، وتزداد إشراقًا في العشر الأواخر؛ تلك الأيام التي يتسابق فيها الصالحون إلى كل عمل يقربهم من الله.
ولذكر الله تبارك وتعالى فضائل كثيرة، منها:
أن الذكر خير الأعمال وأزكاها:
عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ ﷺ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟»، قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى». فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: «ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله»(1)
الذكر يكسب الأعضاء قوة:
يقول هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فيما أخبر الله عنه: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود:52].
ولما طلبت فاطمة رضي الله عنها من النبي ﷺ خادمًا وشكت إليه ما تقاسيه من العمل والسعي والخدمة، قال لها ولعلي رضي الله عنهما: «إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلاَثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ»(2).
دواء قسوة القلب في ذكر الله عز وجل:
قال ابن القيم رحمه الله: « في القلب قسوة لا يذيبها إلا ذكر الله تعالى، فينبغي للعبد أن يداوي قسوة قلبه بذكر الله تعالى...، فما أذيبت قسوة القلوب بمثل ذكر الله عز وجل»(3).
والذكر يرضي الرحمن، ويطرد الشيطان، يزيل الهم والغم عن القلب، ويجلب له الفرح والسرور والاطمئنان، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ»(4).
مثل الحي والميت:
شبه النبي ﷺ الذاكر بالحي الذي تزين ظاهره بنور الحياة، وإشراقها فيه، بخلاف من لا يذكر الله سبحانه، فهو كالجيفة؛ لا أحد يقربها، ولا خير فيها.
فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ»(5).
وصية أخيرة:
إن العشر الأواخر من رمضان لحظاتٌ ثمينة، وساعاتٌ غالية، والسعيد من اغتنمها بما يقربه من الله، ومن أعظم ما يعين على اغتنامها الإكثار من ذكر الله؛ فهو عبادة يسيرة لا يملّها اللسان، ولا يثقل بها الجسد، لكنها تملأ الموازين نورًا وأجرًا.
فاحرص أيها المحب لربك، الساعي لعتق رقبتك، على أذكار الصباح والمساء وبعد الصلاة وأكثر من التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، فالعشر تمضي سريعًا .. لكن ذكر الله يبقى أثره في القلب والميزان.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
وصل اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
شارك الفائدة مع غيرك، فالدال على الخير كفاعله.
_________________
(1) (صحيح)، رواه أحمد (21702)، والترمذي (3377)، وابن ماجه (3790).
(2) رواه البخاري (5361)، ومسلم (2727).
(3) الوابل الصيب، لابن القيم، ص:71.
(4) تفسير الطبري (24/754).
(5) رواه البخاري (6407).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy