إذا كان الإسلام لا يعرف الرهبانية وانقطاعها عن الدنيا طول العمر، فإنه يشرع بدلاً عن ذلك انقطاعاً مخصوصاً في مكان مخصوص وزمن مخصوص، للعكوف بالنفس على الطاعة والمراقبة والمحاسبة والتفكر، وذلك هو الاعتكاف الذي يعرف شرعاً بأنه : حبس النفس في المسجد خاصة مع نية التقرب . (١)
وروح الاعتكاف هو تخلية القلب لله والإلحاف في طلب عفوه، والإلحاح في نيل رضاه،
لا أبرح حتى يغفر لي
«وفي الاعتكاف تفريغ القلب عن أمور الدنيا وتسليم النفس إلى بارئها والتحصن بحصن حصين وملازمة بيت الله تعالى .
قال عطاء: مثل المعتكف كمثل رجل له حاجة إلى عظيم فيجلس على بابه، ويقول: لا أبرح حتى تقضي حاجتي والمعتكف يجلس في بيت الله تعالى، ويقول: لا أبرح حتى يغفر لي فهو أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص»(٢).
لقد اقترنت هذه العبادة العظيمة، بما اقترن به الصيام من حكم، وهي إصلاح القلب واكتساب التقوى، ولهذا كان اللائق بالاعتكاف أن يكون عزوفاً عن مخالطة الناس وإقبالاً على الخلوة مع الله، وقد كان رسول الله ﷺ إذا أراد الاعتكاف يأمر بأن يضرب له خباء في المسجد يلزمه، يخلو وحده فيه بربه،
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً، فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ ». (3)
الاعتكاف سنة متوارثة عن الأنبياء
ولأجل هذه الخلوة النافعة بالانحباس عن الناس، جعلت إحدى وظائف بيوت الله ؛ استقبال الراغبين في العكوف إلى الله، قال - تعالى - أمراً إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام:
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]
فالاعتكاف سنة المرسلين، من لدن أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السلام، وقد سار عليها خاتم النبيين ـ عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم، فكان يختار لهذه العبادة المباركة، أفضل الليالي المباركة وهي ليالي العشر الأخير من رمضان.
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ « كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عز وجل، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ »(4).
روح الاعتكاف
ولشيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله، كلام نفيس عن روح الاعتكاف يقول: «لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفا على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثا، ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.
وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عكوف القلب على الله تعالى، وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه بحيث يصير ذكره وحبه، والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها، ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه فيصير أنسه بالله بدلا عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور حين لا أنيس له، ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.
ولما كان هذا المقصود إنما يتم مع الصوم، شرع الاعتكاف في أفضل أيام الصوم وهو العشر الأخير من رمضان، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه اعتكف مفطرا قط، بل قد قالت عائشة: «لا اعتكاف إلا بصوم».
ولم يذكر الله سبحانه الاعتكاف إلا مع الصوم، ولا فعله رسول الله ﷺ إلا مع الصوم(5).
إن قطع العلائق عن الخلائق أياماً وليالي معدودات، في بيت من بيوت الله، يفجر في النفس روحاً للمصارحة والمطارحة، تجعلها تقبل على المحاسبة قبل أن تحاسب، وتتبع تلك المحاسبة بالمراقبة.
الاعتكاف سنة مهجورة
وعندما تؤدي سنة الاعتكاف - أخي الصائم - فإنك تحيي سنة مهجورة منذ أزمنة طويلة، والاعتكاف «مما واظب عليه النبي ﷺ فينبغي للمؤمنين الاقتداء في ذلك بنبيهم، وذكر ابن المنذر عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وإن النبي ﷺ لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام في العشر الأواخر حتى قبضه الله.(6)»
المسجد الذي يشرع فيه الاعتكاف
وينبغي للمعتكف أن يختار مسجدًا تُقام فيه الصلوات الخمس وصلاة الجمعة؛ حتى لا يضطر إلى الخروج لأداء الجماعة، إذ الأصل أن المعتكف يلزم معتكفه، ولا يخرج منه إلا لما لا بدّ للإنسان منه من الحاجات الضرورية.
ان جل طاعات رمضان، إن لم تكن كلها، تجتمع للمعتكف، وبخاصة إذا كان اعتكافه في المسجد الحرام، الذى يتمكن فيه من أداء العمرة التي تعدل حجة، ويصلي الصلوات كلها في جماعة، ويجد الوقت الكافي للتلاوة وأداء الأذكار الموظفة، وانتظار الصلوات، وكذلك النفقة والإطعام وطيب الكلام والصلاة بالليل والناس نيام، إلى آخر ما تجمعه تلك الطاعة الجامعة لأكثر الطاعات.
التيسير في مدة الاعتكاف
وإذا كان الاعتكاف مسنونا في العشر كلها، فإن الأخذ بحظ منه في بعض الأيام، بل في بعض الساعات، أمر مشروع كما ذكر أهل العلم .
الاعتكاف واستقبال العيد بروحٍ جديدة
المعتكف يذوق للعيد طعماً آخر، فهو يخرج بعده إلى أهله وزوجه - إن كان متزوجاً - بعد أن حظر عليه الاعتكاف قربانها، والتي من حقها أيضاً أن تعتكف منفصلة عنه، بشرط توافر الظروف الشرعية لها من الأمن والستر وقرب المحرم وإذن الزوج.
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَكَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ فَأَذِنَ لَهَا، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ أَمَرَتْ بِبِنَاءٍ فَبُنِيَ لَهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ، فَبَصُرَ بِالْأَبْنِيَةِ، فَقَالَ: مَا هَذَا، قَالُوا: بِنَاءُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: آلْبِرَّ أَرَدْنَ بِهَذَا؟ مَا أَنَا بِمُعْتَكِفٍ. فَرَجَعَ، فَلَمَّا أَفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. (7)»
إن تلك القصة، تدل على أن هدي النبي ﷺ في الاعتكاف، كان أن ينزهه عن المخالطة والمباهاة وخلط الأغراض الأخروية بشوب الأغراض الدنيوية .
شارك من أحببت، فالدالّ على الخير كفاعله.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة
____________________
(۱) انظر شرح النووي لصحيح مسلم (۲۱۱/۳).
(۲) المبسوط للسرخسي (3/ 115)
(۳) صحيح البخاري (2033) ومسلم (1173).
(4) صحيح البخاري (2026)، ومسلم (1172).
(5) زاد المعاد ت الرسالة الثاني (2/ 82: 83)
(6) شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/ 181)
(7) صحيح البخاري (2045)، ومسلم (1173).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy