حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> تعليمي

وقاية الأسرة.. الحصن الأول للمجتمع

وقاية الأسرة.. الحصن الأول للمجتمع
2026‏/01‏/11
35٬317

أوَّل جهد يبذله المؤمنُ ينبغي أن يوجَّهَ إلى وقاية النفس والأهل؛ بنُصح الأزواج وتأديب الأولاد، وبغير صلاح البيوت لا يصلح المجتمعُ ولا تنهض الأمَّة.

قال ربِّي جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

يأمر الله تعالى المؤمنين أن يبدؤوا بأنفسهم وأهليهم، فيحفظوهم من النار بالعلم النافع، والعمل الصالح،

عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَاّ سَيُكَلِّمُهُ اللهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَاّ مَا قَدَّمَ؛ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَاّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَاّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». [صحيح مسلم (1016).]

على المؤمن أن يقي نفسه من عذاب الله، وهذه الوقاية تكون ولو بأقل القليل من فعل الخير. (وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ). طريق النجاة مفتوحٌ لكلّ من صدق مع الله، ولو بأقلّ ما يملك. فمن رحمة الله أن جعل أبواب وقاية النفس كثيرة؛ من صدقة، وذكر، وتعليم للأهل، وصبر على طاعة، واجتناب لمعصية، فلا يحتجّ مؤمن قلّ ماله أو ضعفت قوّته.

سبل وقاية النفس والأهل

1   - الوقاية عملٌ وجهاد

ليست الوقاية كلمةً تُقال، ولا أمنيةً تُرتجى؛ بل هي جهادٌ وصبر.

2- القدوةُ.. أعظمُ أبواب الوقاية

من أعظم صور وقاية الأهل أن يكون ربُّ البيت قدوةً لهم؛ فإنَّ أعينهم على فعله قبل قوله. ومن تمام القدوة أن يرى الأبناءُ أباهم في جوف الليل قائمًا، وفي أوقات الفجر في المسجد حاضرًا، فيوقنوا أنَّ الإسلام ليس شعارات موسمية، بل حياة كاملة.

 3- التربية.. أعظم من النفقة

ليست التربية طعامًا وشرابًا، بل تعليمٌ ومتابعة، كما قال تعالى لنبيّه ﷺ:: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132]، وقال عن إسماعيل عليه السلام: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55]؛ فهذه سيرةُ الأنبياء في وقاية النفس والأهل من النار.

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، ‌أَلَا ‌فَكُلُّكُمْ ‌رَاعٍ ‌وَكُلُّكُمْ ‌مَسْئُولٌ ‌عَنْ رَعِيَّتِهِ.» [صحيح البخاري (7138) ومسلم (1829)]

 

واجب الرجل في تربية أهل بيته

دلّت الآية على أنَّ من أعظم واجبات الرجل أن يأمر أهلَه بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فيأمرهم بالصلاة والزكاة والصيام وسائر الفرائض، ويحثّهم على الفضائل والأخلاق الحسنة. ومن تمام تربية الأهل أن يُعلِّمهم القرآن الكريم، ويحفّظهم ما تيسّر منه، ويغرس فيهم تعظيم السنّة، وحبَّ الصحابة، وفهم الدين على منهج أهل السُّنّة والجماعة.

ويجب عليه أن ينهاهم عن كل ما يغضب الله من الأقوال والأفعال، فينهاهم عن الفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن، وعن قول الزور، وينهى نساءه وبناته عن التبرج والسفور، وينهى جميع أهله ومن تحت يده عن مصاحبة الأشرار ومخالطتهم، والتشبه بالكفار والفساق، ويقطع عنهم الوسائل المفضية إلى غضب الله وسخطه، المشغلة عن رضاه وطاعته، كالقنوات الفضائية، والتلفاز، ونحوها من الوسائل التي تدعو إلى الرذائل ورديء الأخلاق.

 

تعويد الأولاد على الصلاة والصوم

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ». [(حسن صحيح) سنن أبي داود (495)]

يدلّ الحديث على وجوب تعويد الأولاد على الصلاة قبل البلوغ؛ حتى ينشؤوا على الطاعة، فلا يستثقلون العبادة إذا بلغوا سن التكليف، وهذه من أعظم صور تربية الأهل.

تَربيةُ الأطفالِ في الإسلامِ تبدأُ منذُ الصِّغَرِ، وقد حَرِصَ الإسلامُ أنْ يَتعلَّمَ الأطفالُ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ، والآدابَ الإسلاميَّةَ مُبكِّرًا، قَبْلَ وُجوبِها عليهم؛ حتَّى يَتَدرَّبُوا عليها، وتَسْهُل عليهم.

وكذلك يستحبّ تعويدهم على الصيام عند القدرة والتمييز، كما نصّ الفقهاء، ليكون ذلك تمرينًا لهم على الطاعة، ويكون الوالدان قد أدّيا جزءًا من حقّ وقاية النفس والأهل من عذاب النار، إذ إن من أكثر ما يوقظ القلب لزوم العبادات العملية كالصلاة والصوم. وهذا المنهج التدريجي في التربية يوافق فطرة الأولاد، فيجمع بين الرحمة والحزم، وبين التشجيع والمحاسبة.

«ومن ‌كان ‌عنده ‌صغير ‌مملوك ‌أو ‌يتيم ‌أو ‌ولد فلم يأمره بالصلاة فإنه يعاقب الكبير إذا لم يأمر الصغير، ويعزر الكبير على ذلك تعزيرا بليغا؛ لأنه عصى الله ورسوله». [مجموع الفتاوى (22/ 51)]

النهي عن المنكرات في البيوت

كما يجب الأمرُ بالطاعة، يجب النهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104] ، فالمؤمن مسؤول عن تطهير بيته من أسباب الفتنة؛ من صورٍ ومقاطع وألعاب ومجالس تُضعِف الإيمان وتفتح أبواب الشهوات والشبهات.

 من وقاية النفس والأهل إغلاقُ منافذ الشرّ التي تُدخِل الفاحشة إلى البيت، كالقنوات الفاسدة، والحسابات السيئة في الشبكات الاجتماعية، والصحبة المنحرفة، والاختلاط غير المنضبط.

ومن تربية الأهل ألّا يُسمح للهواتف والشاشات أن تكون المربّي الأول، بل يكون الوالدان هما المرجع في توجيه الفكر والسلوك، فيُحسنان اختيار ما يُشاهد وما يُسمَع، ويغرسون في النفوس مراقبة الله وخشيته في السرّ والعلن. وإذا رأى المؤمن من أهل بيته معصيةً لم يَسَعْه السكوت؛ بل ينصح بلطف، ويُذكّر برفق، ويستعين بالكلمة الطيبة، فإذا لم ينفع ذلك انتقل للحزم المشروع، حتى لا يشارك في الإثم بسكوته.

رحمة البنات وستر النار

عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ قال: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ، كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ». [صحيح البخاري (1418)، وصحيح مسلم (2629).]

وهذا من أعظم البشارات لمن أحسن تربية الأهل ولا سيّما البنات. فخدمة البنات والرحمة بهنّ والإنفاق عليهنّ وتربيتُهنّ على الحياء والحجاب والتقوى، طريقٌ عظيم إلى وقاية النفس من النار، كما نصّت الأحاديث الأخرى في فضل الإحسان إليهن.

في زمنٍ تُسْتَهدَف فيه فطرة الفتاة المسلمة، تصبح الأمّ الصالحة مدرسة حقيقية، والأب الحاني حصنًا من الفتن، فيغرسون في بناتهم حبّ الله ورسوله، وتعظيم شعائر الإسلام، فينشأن سترًا لأهلِهن يوم القيامة. وهذا يضاعف حِرص الوالدين على عدم ترك البنات فريسة للموضات والمنصّات، بل يُحيطان تربيتهنّ بسياج العلم والحياء والإيمان.

انشر تؤجر، ولـ خطوات عملية في وقاية النفس والأهل اضغط هنا

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

هل انتفعت بالفائدة.

 

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2025‏/12‏/08
75٬653

وقاية النفس والأهل من النار

مقالٌ مؤثّر يُبيّن مسؤولية المؤمن في وقاية النفس والأهل من النار، مع شرحٍ تربويٍّ ودعويٍّ يوقظ القلب ويدفع للعمل.

2025‏/12‏/31
36٬109

عيادة المريض عبادة عظيمة

عيادة المريض عبادة عظيمة دلّت عليها السنة، فيها صلاة الملائكة، وتنزّل الرحمة، وأجر يتقلّب به العبد في خُرفة الجنة.

2026‏/01‏/04
39٬298

الاستغفار والتوبة حياة القلوب

الاستغفار والتوبة مفتاح السَّعة وطيب العيش ورفعة الدرجات، كما دلّت آية هود، وقفة تدبرية دعوية تمسّ القلوب.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software