حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> إيمانيات

وقاية النفس والأهل من النار

وقاية النفس والأهل من النار
2025‏/12‏/08
75٬678

ما أشدَّ حاجةَ القلوبِ اليومَ إلى كلمةٍ توقظها، ونورٍ يهديها، وصرخةِ رحمةٍ تنتشلها من الغفلة! وإنّ من أعظم ما يُذكِّر المؤمنَ بواجبه، ويهزُّ روحه هزًّا، قولُ ربِّي جلّ وعلا:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

إنّها آيةٌ تُشعل في القلب جذوةَ الخوف والرجاء، تهتف في أذن كل مؤمن لن يكون صلاح الأمة إلا بصلاح البيوت، ولن تكون البيوت صالحةً حتى يحملَ الرجلُ أمانتَها، ويقوم بواجبها، ويتذكّر أنّ تقصيره ليس مجرد ذنبٍ عابر، بل قد يورد من يحبّ في موارد الهلاك إن لم يقم بحمايتهم من أسباب النار.

 

أولًا: تفسير الآية وبيان معناها

يوجه الله تعالى النداء للمؤمنين، آمرا لهم أن يؤدوا واجبهم نحو أنفسهم ونحو أهليهم، حتى ينجوا من عذاب النار، فيقول: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم -بالعلم النافع، والعمل الصالح-، وأهليكم -بتعليمهم وتأديبهم- نارا حطبها الذي توقد به الكفار والحجارة، عليها ملائكة وكلهم الله بها، غلاظ شداد، لا يخالفون أمر الله، ويفعلون ما يؤمرون بفعله.

 

مناسبة الآية لما قبلها:

بعد أن وعظ اللهُ جل وعلا أزواج النبي ﷺ موعظة خاصة، أتبعها بموعظة عامة للمؤمنين؛ لينتبهوا لواجب تهذيب أنفسهم، وموعظة أهليهم، وألا يصدهم استبقاء الود بينهم عن إسداء النصح لهم، وإن كان في ذلك بعض الأذى.

 

ثانيًا: معنى وقاية الأهل وحقيقتها

فليست وقاية النفس والأهل مجرد كلمةٍ تُقال، ولا أمنيةٍ تُرجى، بل هي عملٌ وجهادٌ وصبر.

 

1- أقوال السلف في وقاية الأهل

{قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}

قال عليّ رضي الله عنه: أدبوهم وعلموهم.

وعن ابن عباس يقول: اعملوا بطاعة الله، واتقوا معاصي الله، وأمروا أهلكم بالذكر ينجيكم الله من النار.

وقال مجاهد: اتقوا الله وأوصوا أهليكم بتقوى الله.

وقال قتادة: تأمرهم بطاعة الله، وتنهاهم عن معصية الله، وأن تقوم عليهم بأمر الله وتأمرهم به وتساعدهم عليه، فإذا رأيت لله معصية ردعتهم عنها وزجرتهم عنها. وهكذا قال الضحاك: حق المسلم أن يعلم أهله من قرابته وإمائه وعبيده ما فرض الله عليهم وما نهاهم الله عنه»

[ينظر تفسير ابن كثير (7/ 321)]

«وقاية النفس: بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، ووقاية الأهل: بأن يُؤْمَروا بالطاعة، وينهوا عن المعصية.» [زاد المسير في علم التفسير (4/ 310)]

 

2- القدوة أعظم أبواب الإصلاح

ومن أعظم صور وقاية النفس والأهل أن يكون العبد قدوة لأهل بيته؛ فإنهم ينظرون إلى فعله قبل قوله، فإذا استقام استقاموا، وإذا انحرف كان سببًا لانحرافهم.

 

3- التربية ليست نفقةً فقط

وهذا يوضّح أن تربية الأهل ليست مجرّد نفقة وطعام، بل تعليم وتهذيب ومتابعة.

كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: 132] 

وقال سبحانه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]

وقال عز وجل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، ‌أَلَا ‌فَكُلُّكُمْ ‌رَاعٍ ‌وَكُلُّكُمْ ‌مَسْئُولٌ ‌عَنْ رَعِيَّتِهِ.»

[صحيح البخاري (7138) ومسلم (1829)]

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ ‌قِرَامٌ ‌فِيهِ ‌صُوَرٌ ‌فَتَلَوَّنَ ‌وَجْهُهُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ السِّتْرَ فَهَتَكَهُ، وَقَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ.»

[صحيح البخاري (6109)]

 

ثالثًا: وقود النار وخطورة الغفلة

قال تعالى: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} أي: حطبها الذي تُسجَّر به من جثث الكفار والحجارة، والعياذ بالله. وهذا التصوير المفزع يعظّم معنى وقاية النفس والأهل من هذه النار، فكيف يرضى عاقل أن يكون هو أو ولده وقودًا لنار عظيمة لا تُبقي ولا تذر؟!

منتهى الاحتقار والازدراء أن يكون الإنسانُ والحجارةَ سواء!

فإياك أيها المسلم أن تنزل إلى هذه المنزلة بعد أن شرّفك الله بالعقل.

 

لماذا ذكر الله هذا الوصف؟

يأتي ذكر وقود النار: الناس والحجارة ليُنشِئ في القلبِ خوفًا يدفع إلى العمل لـ وقاية النفس والأهل من النار، لا خوفًا يُورث اليأس.

قال ابن مسعود: هي حجارة من الكبريت الأسود. وهذا الوصف وحده كافٍ لأن يحرّك الفؤاد ويقظه من سباته.

قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24]

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران: 10]

وقال عز وجل: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15]

وقال تعالى في وصف الله النار: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16)﴾ [المعارج: 15-16]، وقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)﴾ [المدثر: 27-29]، ثم قال عن جهنّم: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: 30]؛ كلُّ ذلك ليعيش المؤمن حالةَ خوفٍ يدفعه إلى العمل، لا إلى اليأس.

وقد بيّن النبي ﷺ أنّ نار الدنيا جزءٌ يسير من نار جهنّم، فهي واحدة من سبعين جزءًا؛ مما يجعل المؤمن يخشى أن يعرِّض نفسَه وأهلَه لهذا العذاب.

 

رابعًا: الملائكة الغلاظ الشداد

قال تعالى: {عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ}،

1- صفاتهم

«هم خزنتها غِلاظٌ على أهل النار شِدادٌ عليهم. وقيل: غلاظ القلوب شِدَاد الأبدان.»

أي: غلاظ الأخلاق على أهل النار، شداد في تنفيذ أمر الله، لا يرقّ لهم قلب، ولا تعرف أعينهم الدمع على أهل المعصية بعد أن حقَّ عليهم القول.

وصفَ ابنُ سعدي هؤلاء الملائكة بأنهم يفزِعون بأصواتهم، ويُهينون أهل النار بقوّتهم، ويمتثلون أمر الله فيهم على أكمل وجه؛ فلا شفاعة عندهم، ولا تلطّف، ولا تأجيل للعذاب.

ثم أثنى الله عليهم بقوله: {لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}؛ فكانوا قدوة في الطاعة والانقياد، وهذا يدعو المؤمن إلى أن يكون في بيته عبدًا مطيعًا، وربًّا للأسرة رحيمًا، يجمع بين الخوف من النار والرجاء في رحمة العزيز الغفّار.

 

  2- أثر هذا الوصف على القلب

من تدبّر حال خزنة جهنّم، علم أنّ الرحمة لا تكون يومئذٍ إلا لمن رحمَه الله، فسعى في الدنيا إلى وقاية النفس والأهل من أن يكونوا تحت يد أولئك الملائكة.

 

خامسًا: وقاية الأسرة.. الحصن الأول للمجتمع

قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

 

1- بداية الإصلاح من البيت

أوَّل جهد يبذله المؤمنُ ينبغي أن يوجَّهَ إلى وقاية النفس والأهل؛ بنُصح الأزواج وتأديب الأولاد، وبغير صلاح البيوت لا يصلح المجتمعُ ولا تنهض الأمَّة.

 

2- ضرورة الموعظة بذكر النار

إنَّ الموعظة بذكر النار لا يستغني عنها الدعاةُ ولا المربُّون؛ لقوَّة تأثيرها في القلوب وظهورها في السُّلوك.

نهوضُ الأمَّة المسلمة سيتأخَّر طويلًا طويلًا، وسيبقى بنيانها هشًّا ضعيفًا، ما لم يبدأ كلُّ فرد مسلم بإصلاح نفسه وأهل بيته.

 

3- اختيار الزوجة الصالحة

من أراد تأسيس بيتٍ مستقيم، فليبدأ باختيار الزوجة الصالحة التقيَّة التي تُعينه على حفظ الأمانة وتربية الأبناء على محبة الله ومخافته.

 

خاتمة مؤثّرة

وقاية النفس تكون بلزوم الإيمان والعمل الصالح، وترك الشّرك والمعاصي، والتوبة إلى الله، بينما وقايةُ الأهل تكون بتعليمهم وتأديبهم والأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة.

إنّ النار ليست خبرًا يُقرأ، ولا قصةً تُروى، بل واقعٌ ينتظر من أعرض، وينجو منه من أطاع.

وإنّ من أشدّ الخذلان أن ينقذَ الرجلُ الناسَ من النار وينسى أهلَه، أو يُصلح الغريب ويهمل أقرب الناس إليه.

ابدأ بنفسك، ثم بأهلك.. فهي أمانة، وستقف بين يدي الله يومًا فتُسأل عنها سؤالًا لا مهرب منه.

تنبيه لتمام الفائدة

في الفائدة القادمة - بإذن الله - بيانُ وسائل عملية لـ وقاية النفس والأهل، وخطوات تطبيقية لإصلاح البيوت خطوةً خطوة.

انشر هذه الفائدة لعلّ الله يجعلها سببًا في إيقاظ قلب، وهداية بيت، وحفظِ أهلٍ من النار..

وخيرُ الناس أنفعُهم للناس.

«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

هل انتفعت بالفائدة

______

📚 للاستزادة

https://dorar.net/tafseer/66/2

 https://surahquran.com/aya-tafsir-6-66.html

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2025‏/11‏/27
39٬543

فضل الأذان: نداء يهدي إلى الله (1)

فضائل عظيمة وآداب جليلة لشعيرة الأذان، مع أدلة القرآن والسنة، وصياغة دعوية رقيقة مؤثرة.

2025‏/11‏/27
737٬329

فضل الأذان: نداء يهدي إلى الله (2)

الأذان شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام وسبب للمغفرة، وطرد الشيطان، ومضاعفة الحسنات

2025‏/12‏/02
79٬168

الصدقة.. طريقُ السعادةِ الأجمل

فائدة مؤثرة تبيّن كيف تصبح الصدقة طريقًا للسعادة والبركة ودفع البلاء، بأسلوب إيماني يجذب القلب ويحفّز على البذل والخير.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software