صوتٌ يعلو في آفاق السماء خمس مرّات كل يوم.. لا يشبهه صوت، ولا يساويه نداء؛ لأنّه دعوة ربانية، تعلن للخلق أن في الأرض عبادًا يعظّمون الله ويشهدون أن لا إله إلا الله.
إنه الأذان.. شِعارُ دارِ الإسلامِ، وعلامة الدين، وراية التوحيد، وإعلان العبودية.
ولفضل هذا النداء العظيم، تأتي هذه الفائدة لتذكر القلوب بما غفل عنه كثير من الناس. فضل الأذان وأسراره الإيمانية
معنى الأذان
الأذان في اللغة: الإعلام.
الأذان في الشرع: الإعلام بدخول وقت صلاة الفريضة، بألفاظ مخصوصة، وشُرع الأذان في السنة الأولى من هجرة نبينا محمد ﷺ.
أولاً: فضل الأذان في القرآن الكريم
لم يأتِ ذكر الأذان صريحًا فيه، لكن جاءت إشارات تؤكد عِظم شعيرة الأذان، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33]
قال المفسرون: يدخل فيه المؤذنون دخولًا أوليًّا؛ لأنهم يدعون الخلق إلى أعظم عمل وهو الصلاة.
«واختلَف أهلُ العلمِ في الذي أُريد بهذه الصفةِ من الناسِ، فقال بعضُهم: عُنِى بها نبيُّ اللَّهِ ﷺ، وقال آخرون: عُنِى به المؤذِّنُ.» [ينظر تفسير الطبري (20/ 430)]
ثانياً: فضل الأذان في السنة النبوية
الأذانُ من أعظم الشَّعائرِ الظَّاهرة، وقد ثبت في فضلِه أحاديث كثيرة.
عَنْ مُعَاوِيَة بْنِ أَبِي سُفْيَان قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.» [صحيح مسلم (387)]
قال النضر بن شميل «إذا ألجم الناس العرق يوم القيامة طالت أعناقهم لئلا يغشاهم ذلك الكرب ورواه بعض المحدثين إعناقا بكسر الألف أي إسراعا إلى الجنة من سير العنق.» [غريب الحديث - الخطابي (1/ 593)]
فيشرفُون على الخلق بفضل ما حملوا من نداءٍ إلى الصلاة، ودعوة إلى الخير.
أجر من أذن وصلى وحده في فلاة
عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ: «إِذَا كَانَ الرَّجُلُ بِأَرْضِ قِيٍّ فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً فَلْيَتَيَمَّمْ، فَإِنْ أَقَامَ صَلَّى مَعَهُ مَلَكَاهُ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ صَلَّى خَلْفَهُ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ مَا لَا يُرَى طَرَفَاهُ» [(صحيح) عبد الرزاق (1955) والطبراني في الكبير (6120)، وفي صحيح الترغيب (19)]
بِأَرْضِ قِيٍّ: أي أرض صحراء خالية.
هذا الحديث يبيّن عِظم شأن الصلاة والأذان، حتى في الخلوة والفلاة، فالمؤمن لا يكون وحده؛ بل تحفّه الملائكة وتصلّي معه.
جزاء من يخاف الله ويُؤذن ويقيم للصلاة
يا لِعِظمة هذا الفضل! رجلٌ وحيدٌ فوق جبل، لا يراه أحد من الخلق، يؤذّن ويقيم ويصلّي.
عن عُقبة بن عامر، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «يَعجبُ ربُّك عز وجل من راعي غنم في رأسِ شَظيةٍ بجبل يُؤذِّن للصلاة ويُصلِّي، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي هذا يُؤذن ويقيم للصلاة، يخاف منِّي، قد غفرتُ لعبدي، وأدخلتُه الجنَّة» [(صحيح) سنن أبي داود (1203) والنسائي (666)]
شظية الجبل: أي «قطعة من رأس الجبل، وقيل: هي الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل كأنها أنف الجبل.» [مرقاة المفاتيح (2/ 565)]
«قوله: انظروا؛ أي: يا ملائكتي! انظروا. يخاف مني؛ يعني: لا يؤذن ولا يصلي ليراه أحد؛ لأنه لم يكن أحدٌ حاضرًا ثَمَّ، بل يفعل هذا؛ لخوف عذابي، وطمع جنتي.» [المفاتيح في شرح المصابيح (2/ 53)]
كل من يسمع صوت المؤذن يشهد له يوم القيامة
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه، قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. [صحيح البخاري (609)]
يا لها من منقبة عظيمة! كلَّ ما حول المؤذّن؛ من الإنس والجنّ، بل وكلّ شيءٍ يسمع الصوت، يشهدون له يوم القيامة.
فلا تحرم نفسك هذا الفضل؛ إن كنت في مسجدٍ أو سفرٍ أو بادية، فارفع النداء تعبّدًا لله تعالى، فربّك يسمع، والكون يشهد. 🌿
ما يستفاد من الحديث:
1- استحباب رفع الصوت بالأذان؛ ليكثر من يشهد له.
2- مشروعية العُزلة عن الناس خصوصا في أيام الفتن.
3- مشروعية أذان المنفرد الذي يصلي وحده.
4- الجن يسمعون أصوات بني آدم.
5- الجن والإنس يشهدون يوم القيامة للمؤذن بفضله وعلو درجته.
وهذه كرامة ربانية عظيمة؛ يشهد لك كل شيء في الكون… حتى الحجر والشجر والهواء!
ثواب الأذان اثنتي عشرة سنة:
عن ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً، وَلِكُلِّ إِقَامَةٍ ثَلَاثُونَ حَسَنَةً» [(حسن) سنن ابن ماجه (728)]
هروب الشيطان إذا سمع الأذان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ، أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطُِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى». [صحيح البخاري (1/ 125) واللفظ له، ومسلم (389)].
وفي روايةٍ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ أَحَالَ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ. فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ ذَهَبَ حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ، فَإِذَا سَكَتَ رَجَعَ فَوَسْوَسَ» [صحيح مسلم (389)].
قصة عجيبة
عَنْ سُهَيْلٍ قَالَ: «أَرْسَلَنِي أَبِي إِلَى بَنِي حَارِثَةَ، قَالَ: وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا، فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ. قَالَ: وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ: لَوْ شَعَرْتُ أَنَّكَ تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْكَ، وَلَكِنْ إِذَا سَمِعْتَ صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حُصَاصٌ». [صحيح مسلم (389)].
«قَالَ حَمَّاد فَقلت لعاصم: مَا الحُصاصُ فَقَالَ: أما رَأَيْت الْحمار إِذا صَرّ بأذنيه ومصَع بِذَنبِهِ وَعدا فَذَلِك حصاصة. وقَالَ الْأَصْمَعِي: الحُصاص: شدَّة الْعَدو وسرعته. وَيُقَال: هُوَ الضراط فِي قَول بَعضهم قَول عَاصِم أعجب إليّ وَهُوَ قَول الْأَصْمَعِي أَو نَحوه» [غريب الحديث - أبو عبيد (4/ 181)]
ونستكمل فضل الأذان في الفائدة التالية بإذن الله تعالى.
يا من تقرأ هذه الفائدة.. انشرها.. لعلّ الله يفتح بها قلبًا، أو يوقظ بها غافلًا، أو يكتب لك مثل أجر المؤذنين.
«سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
هل انتفعت بالفائدة
______
للاستزادة








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy