فتح المدائن: بقيادة سعد بن أبي وقاص
لقد كانت المدائن عاصمة الدولة الفارسية (الإمبراطورية الساسانية)، على ضفتي دجلة شرقيها وغربيها. تضمّ المدينة شرقي النهر ما يعرف بالقصر الأبيض العتيق، وغربيه الإيوان الكبير (إيوان كسري) الذي بناه الشاه شابور بن هرمز (ذو الأكتاف).
سُمّيت «المدائن» جمعًا لكثرة ما شيد فيها من المدن والقلاع عبر التاريخ الساساني. وقد اختارها ملوك فارس مقرّ حكمهم لرفعة مكانتها وعظمتها.
فتح المدائن في عهد عمر بن الخطاب
انطلقت حملة الفتح بعد الانتصار في معركة القادسية (14هـ) واستقرار أوضاع المسلمين في العراق.
قال علماء السير: أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعد بن أبي وقاص بعد القادسية بالمسير إلى المدائن، وعهد إليه أن يخلف النساء والعيال بالعتيق (الكوفة القديمة)، ويجعل معهم من يحرسهم من الجند ويسهم لأولئك الجند من المغنم ما داموا يحفظون عيال المسلمين، فأقام سعد بعد الفتح شهرين بالقادسية، ثم ارتحل بعد الفراغ من أمرها لأيام بقين من شوال
ووصل سعد إلى مكان يقال له: مظلم ساباط، فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران، وهم يقسمون كل يوم: لا يزول ملك فارس ما عشنا.
ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له: المقرط. قد أرصدوه في طريق المسلمين، فتقدم إليه ابن أخي سعد، وهو هاشم بن عتبة، فقتل الأسد والناس ينظرون، وسمي يومئذ سيفه المتين، وقبل سعد يومئذ رأس هاشم، وقبل هاشم قدم سعد، وحمل هاشم على الفرس، فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو يتلو قوله تعالى: أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال [ سورة إبراهيم:44] [ينظر تاريخ الطبري (3/ 623)]
حصار بَهُرَسِير والكرامة العجيبة
وتحصنت العجم بَهُرَسِير، وامتنعت من سعد أشد الامتناع، وقد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى الله، عز وجل، أو الجزية أو المقاتلة، فأبوا إلا المقاتلة والعصيان، فنصبوا المجانيق، وأقسموا ألّا ينهزموا، لكن الله خذلهم.
بعد حصار طويل، حاولوا التفاوض، فوقعت كرامة عجيبة، إذ نطق المجاهد *أبو مفرز الأسود بن قطبة* بكلمة أوقعت الرعب في قلوب الفرس، ذكر فيها طعاما ملكيا لا يعرفه إلا خاصة الأسرة الحاكمة، قال: لا يكون بينكم وبينهم صلح أبدا، حتى نأكل عسل أفرندين بأترج كوثى. فقال الملك: يا ويلاه، إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا وتجيبنا عن العرب.
ثم أمر الناس بالرحيل من هناك إلى المدائن فجازوا في السفن منها إليها، وبينهما دجلة، وهي قريبة منها جدا.» [البداية والنهاية (10/ 6: 7)].
ففرّ الفرس مذعورين إلى المدائن، تاركين المدينة خاوية.
فظن العدو أن الملائكة تخبر المسلمين بأسرارهم، فانهارت معنوياتهم وتركوا الحصن.
المشهد المؤثر:
بعد استكمال تجهيزات الحملة، تقدّم المسلمون من بَهُرَسِير تجاه المدائن. وحين بلغوه في صفر سنة 16هـ لم يجدوا ما يُعيقهم من مقاومة في الجهة الشرقيّة، فصعدت أعلامهم على سفح التلّ المطل على ضفة دجلة الشرقيَّة، وأبصروا قصر كسرى الأبيض من بعيد، وقال المسلمون: «هذا أبيض كسرى كما وعدنا الله ورسوله!»
تسلسل أحداث الفتح وخطة عبور دجلة
تقدّم سعد نحو المدائن في ذي الحجة سنة 15هـ (كان بداية عام 16هـ) بعد أن أتمّ تنظيم جيشه وانتظر قدوم بعض الدعم. وفي طريقه التقى بزهرة بن الحوية ـ أحد قادة جيش المسلمين بعد قادسية ـ الذي توجّه ناحية بهرسير (الحيرة القديمة) فقضى على بعض كتائب الفرس (فُلانيا) وتلقّى سالم بن شيرزاد الدهقان في الحيرة فأقرّ الصلح وأدّى الجزية عن إقليم جبال وصحراء العراق.
القادة المسلمون المشاركون وأبرزهم سعد بن أبي وقاص
تولّى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه القيادة العامة للجيش الإسلامي في هذه الحملة. ورافقه مجموعة من القادة المبرزين من صحابة رسول الله ﷺ، من أبرزهم:
عاصم بن عمرو ذي البأس: كان من أبطال الجيش وأوائل من تطوّع لعبور دجلة وتأمين الجانب الغربي، فأصبح أمير الكتيبة الأولى التي دُعيت «كتيبة الأهوال»
القعقاع بن عمرو: اتّخذ أميرًا للكتيبة الثانية «الخرساء»، وظهر شجاعته في ملاحقة الفرسان الفرس.
سلمان الفارسي: شارك في المعركة وأضاء للمسلمين طريق الثقة بالله؛ فقد كان يسير مع سعد في الماء ويؤكّد أنّ الله تعالى قد هيّأ البحر للمسلمين كما هيّأ اليابسة.
هاشم بن عتبة بن أبي وقاص: أسهم بقتل أسد فارس المدعو «المقرط»، فارتدّت الكتيبة الفارسية التي كانت وراءه إلى بهرسير ملجأ لها.
زهرة بن الحوية وغيره من قادة الجيش الذين قبضوا على مناطق الشمال الشرقي للعراق، وتأمين التقدّم في عمق بلاد الفرس.
الطريق نحو المدائن
بعد أن فتح المسلمون مدينة «بهرسير» أصبح الطريق مفتوحًا نحو المدائن، فواصل المسلمون تقدمهم حتى لاح إليهم وسط الظلام وفي ضوء القمر الذي كان وقتها بدرًا قصر الأبيض حيث إيوان كسرى، فكبر المسلمون تكبيرًا مدويًا وقالوا: «إيوان كسرى، هذا ما وعد الله ورسوله».
وقد تردّد سعد في هجوم مباشر على المدينة المحصّنة، فجاءه أحد العلوج (قائد فارسي) فأعلمه أن «يزدجرد الثالث» ملك فارس لا يزال في المدائن، وأنك إن لم تدركه قبل ثلاث، فات عليك وتفارط الأمر، فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر; فلا تخلصون إليه معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاءوا فيناوشونكم في سفنهم، وليس وراءكم شيء تخافون أن تؤتوا منه، وقد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم.
فقالوا جميعا: عزم الله لنا ولك على الرشد، فافعل.
فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور، ويقول: من يبدأ فيحمي لنا الفراض - يعني ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين. فانتدب عاصم بن عمرو وذوو البأس من الناس، قريب من ستمائة، فأمر سعد عليهم عاصم بن عمرو، فوقفوا على حافة دجلة، فقال عاصم: من ينتدب معي لنكون قبل الناس دخولا في هذا البحر، فنحمي الفراض من الجانب الآخر؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين; والأعاجم وقوف صفوفا من الجانب الآخر؟
فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال: أتخافون من هذه النطفة؟ ثم تلا قوله تعالى وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا [آل عمران 145].
ثم أقحم فرسه فيها واقتحم الناس، فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا: ديوانا ديوانا. يقولون: مجانين مجانين. ثم قالوا: والله ما تقاتلون إنسا بل تقاتلون جنا. ثم أرسلوا فرسانا منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يشرعوا لهم الرماح ويتوخوا الأعين، ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من الماء، واتبعهم عاصم وأصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الآخر، ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر، ونزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة، فخاضوها، حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر، فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب.
ثم نزل سعد ببقية الجيش، وذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر وقد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين، وقد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا: نستعين بالله، ونتوكل عليه، حسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم اقتحم بفرسه دجلة، واقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض، حتى ملأوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة، وجعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض; وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والأمن، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره، وتأييده.
ولأن أميرهم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقد توفي رسول الله، ﷺ، وهو عنه راض، ودعا له، فقال: اللهم أجب دعوته وسدد رميته
والمقطوع به أن سعدا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر، وقد رمى بهم في هذا اليم، فسددهم الله وسلمهم، فلم يفقد من المسلمين رجل واحد، غير أن رجلا واحدا يقال له: غرقدة البارقي، ذل عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمرو بلجامها، وأخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، وكان من الشجعان، فقال: عجز النساء أن يلدن مثل القعقاع بن عمرو.
وكان يوما عظيما، وأمرا هائلا، وخطبا جليلا، وخارقا باهرا، ومعجزة لرسول الله، ﷺ، خلقها الله لأصحابه، لم ير مثلها في تلك البلاد، ولا في بقعة من البقاع سوى قضية العلاء بن الحضرمي، بل هذا أجل وأعظم ; فإن هذا الجيش كان أضعاف ذلك.
فلما رأى العدو ذلك هربوا لا يلوون على شيء، وجعلوا يقولون: إنما تقاتلون الجن لا الإنس، وتركوا جمهور أموالهم.
وكان يزدجرد قد أخرج عياله إلى حلوان، فلحق بعياله، فدخل المسلمون المدائن وليس فيها أحد إلا أنه قد بقي في القصر الأبيض قوم قد تحصنوا به، فعرض عليهم المسلمون الإسلام أو الجزية أو القتل، فاختاروا الجزية.
دخول المدائن وإيوان كسرى
ونزل سعد القصر الأبيض، واتخذ الإيوان مصلى، وجعل يقرأ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28)﴾ [الدخان: 25-28] وأتم الصلاة، ثم دخلها لأنه كان على نية الإقامة، وصلى الجمعة.
ويُذكر أن هذه كانت أول جمعة يُصلّى فيها بجنوب العراق بعد الفتح، وقد عُرفت فيما بعد بـ«جمعة المدائن»
الأثر السياسي والديني لفتح المدائن على الفتح الإسلامي
كان فتح المدائن نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفتح الإسلامي لفارس. فقد فتح للمسلمين أبواب بلاد فارس الشرقية، وتحوّل العراق إلى مركز إسلامي حرّ في ظل سقوط القوّة الساسانية. وسقوط المدينة التي لم تعد عاصمةً أو تسكنها أسرة كسرى.
زال النفوذ الساساني عملياً من بلاد الرافدين وبسط المسلمون سيطرتهم على المحرّرات وقراها، الأمر الذي سهّل فيما بعد استئناف الفتوحات باتجاه بلاد خراسان (مثل همذان ونيسابور) وسائر بلاد فارس.
الدروس والعبر من فتح المدائن
ثبّت فتح المدائن جملة من القيم والدروس لدى المسلمين:
الثقة بالله والتوكل عليه: إذ رأى الجميع كيف اقتحمت جيوش المسلمين النهر، واستجاب سبحانه دعاء سعد وجنوده حين دخلوا الماء.
المنهجية والطاعة: تبين في هذا الفتح حرص الصحابة على الطاعة لأميرهم وسيرهم وراء خطته. فقد جمع سعد الجيش وألزمهم الدعاء ثم لم يتراجع أمام الصعاب. كان قراره عبور النهر على الرغم من ضخامة المانع «دجلة»، مبنيًّا على وثوقه بنصر الله.
الشجاعة والصبر: أظهر المسلمون بأسًا وإقدامًا كبيرين في مواجهة جيش الأقوياء، فلم يهابوا ضراوة الفرس ولا الحيوانات المُفترسة (الأسد)، فكان نجاحهم مصدر فخر وشرف لهم.
تحقيق نبوءات النبي ﷺ: كان فتح المدائن مثالاً صارخًا على صدق نبوة محمد ﷺ.
في الختام
يبقى فتح المدائن في عهد عمر درسًا خالداً في كتب التاريخ الإسلامي: درسٌ في التوكل على الله عند الشدائد، وفي جدية العمل وبذل الغالي والنفيس في سبيل نشر الإسلام.
انشر تؤجر.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
للاستزادة:
تاريخ الطبري
البداية والنهاية








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy