التشاؤم بشهر صفر في ضوء السنّة النبوية
في زمن طغت فيه الخرافة، وتناقل الناس فيه الموروثات دون تمحيص، برزت اعتقادات لا أصل لها في شرع الله، نُسب فيها الشرُّ والبلاء إلى أيام أو شهور أو حيوانات أو كائنات. ومن أبرز تلك المعتقدات الباطلة: *التشاؤم بشهر صفر*.
فما حقيقة هذا التشاؤم؟ وما موقف الإسلام منه؟ وكيف يؤثّر على العقيدة والتوحيد؟ هذا ما نُبيّنه في هذه الفائدة، بالدليل الشرعي والبيان الواضح.
أولًا: ما هو التشاؤم والطِّيَرة؟
الطِّيَرة: هي التشاؤم بالأشخاص أو الأزمنة أو الأماكن، واعتقاد أنها تجلب الشر بذاتها.
قال الشيخ ابن عثيمين: «وأصل التطير: التشاؤم، لكن أضيفت إلى الطير؛ لأن غالب التشاؤم عند العرب بالطير، فعلقت به، وإلا فإن تعريفها العام: التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم.
وكان العرب يتشاءمون بالطير وبالزمان وبالمكان وبالأشخاص، وهذا من الشرك كما قال النبي ﷺ.» [مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (9/ 515)]
قال الشيخ حافظ الحكمي:
"الطِّيَرَة: ترك الإنسان حاجته، واعتقاده عدم نجاحها بسبب سماع كلمات كـ: (يا هالك)، أو رؤية طير كالبومة وَمَا شَاكَلَهَا إِذَا صَاحَتْ، أو أشخاص كالأعور والأعرج، أو التشاؤم ببعض الأيام أَوْ بِبَعْضِ السَّاعَاتِ كَالْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنَ الشَّهْرِ وَآخِرِ أَرْبِعَاءَ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يُسَافِرُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَعْقِدُ فِيهَا نِكَاحًا وَلَا يَعْمَلُ فِيهَا عَمَلًا مُهِمًّا ابْتِدَاءً، يَظُنُّ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ نَحْسٌ ..وَهِيَ مِنْ أَكَاذِيبِ الْمُنَجِّمِينَ الْمَلَاعِينَ» [معارج القبول (3/ 990) بتصرف]
خلاصة التعريف: هو نِسبة الشر أو حصول الضرر إلى شيء لا يملك تأثيرًا بذاته، كأن يتشاءم الإنسان بشهرٍ، أو رقمٍ، أو صوتٍ، وهذا من بقايا الجاهلية التي أبطلتها الشريعة.
ثانيًا: حكم التشاؤم في الإسلام
حرامٌ شرعًا، ومن أعمال الجاهلية، وهو من الشرك الأصغر، لأنه سوء ظن بالله، وتعلّق بوهم لا تأثير له.
وعدّ ابن حجر ترك السّفر بسبب التّطيّر من الكبائر.
وقد نهى النبيُّ ﷺ عن الطِّيَرَةِ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: "الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا ولكن اللَّه يذهبه بالتوكل» [(صحيح) أخرجه أحمد (3687)، وأبو داود (3910)، وابن ماجه (3538)، والترمذي (1614)]
«جَعَلَ التَطَيُّرَ شِرْكاً بِهِ فِي اعْتِقَادِ جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ، وَلَيْسَ الكفرَ بِاللَّهِ لأَنه لَوْ كَانَ كُفْرًا لَمَا ذَهَبَ بِالتَّوَكُّلِ.» [لسان العرب (10/ 450)]
قال الحافظ: «وقوله: وما منا إلا من كلام ابن مسعود أدرج في الخبر، وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي، عن البخاري عنه، وإنما جعل ذلك شركا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضرا، فكأنهم أشركوه مع الله - تعالى -، وقوله: ولكن الله يذهبه بالتوكل إشارة إلى أن من وقع له ذلك فسلم لله ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك.» [فتح الباري لابن حجر (10/ 213)]
عن أبي هريرة- رضي الله عنه أنّه قال: قال رسول الله ﷺ «لَا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ. [صحيح البخاري (5754) اللفظ له. ومسلم (2224)]
(خيرها الفأل) أي خير الطيرة - على زعمهم أن لها أثراً - أن يتفاءل، أي يتوقع الخير في الأمور.
«قال الحليمي: "إنما كان ﷺ يعجبه الفأل، لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال"
قال الماورديّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَضَرَّ بِالرَّأْيِ وَلَا أَفْسَدَ لِلتَّدْبِيرِ مِنْ اعْتِقَادِ الطِّيَرَةِ، وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ خُوَارَ بَقَرَةٍ أَوْ نَعِيبَ غُرَابٍ يَرُدُّ قَضَاءً أَوْ يَدْفَعُ مَقْدُورًا فَقَدْ جَهِلَ...وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو مِنْ الطِّيَرَةِ أَحَدٌ لَا سِيَّمَا مَنْ عَارَضَتْهُ الْمَقَادِيرُ فِي إرَادَتِهِ، وَصَدَّهُ الْقَضَاءُ عَنْ طَلِبَتِهِ، فَهُوَ يَرْجُو وَالْيَأْسُ عَلَيْهِ أَغْلَبُ، وَيَأْمُلُ وَالْخَوْفُ إلَيْهِ أَقْرَبُ. فَإِذَا عَاقَهُ الْقَضَاءُ، وَخَانَهُ الرَّجَاءُ، جَعَلَ الطِّيَرَةَ عُذْرَ خَيْبَتِهِ، وَغَفَلَ عَنْ قَضَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَشِيئَتِهِ، فَإِذَا تَطَيَّرَ أَحْجَمَ عَنْ الْإِقْدَامِ وَيَئِسَ مِنْ الظَّفَرِ وَظَنَّ أَنَّ الْقِيَاسَ فِيهِ مُطَّرِدٌ وَأَنَّ الْعِبْرَةَ فِيهِ مُسْتَمِرَّةٌ. ثُمَّ يَصِيرُ ذَلِكَ لَهُ عَادَةً فَلَا يَنْجَحُ لَهُ سَعْيٌ، وَلَا يَتِمُّ لَهُ قَصْدٌ. [أدب الدنيا والدين 314: 315]
وقال القرطبي «قال عكرمة: كنت عند ابن عباس فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير، خير. فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر. قال علماؤنا: وأما أقوال الطير فلا تعلق لها بما يجعل دلالة عليه، ولا لها علم بكائن فضلا عن مستقبل فتخبر به، ولا في الناس من يعلم منطق الطير، إلا ما كان الله تعال خص به سليمان ﷺ من ذلك، فالتحق التطير بجملة الباطل. والله أعلم.» [تفسير القرطبي (7/ 266)]
وقال ابن القيم «فالطيرة بَاب من الشّرك والقاء الشَّيْطَان وتخويفه ووسوسته يكبر ويعظم شَأْنهَا على من اتبعها نَفسه واشتغل بهَا وَأكْثر الْعِنَايَة بهَا وَتذهب وتضمحل عَمَّن لم يلْتَفت إِلَيْهَا وَلَا القى إِلَيْهَا باله وَلَا شغل بهَا نَفسه وفكره» [مفتاح دار السعادة (2/ 230)]
وجعل النبي ﷺ كفارتها أن يقول المسلم: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَاّ خَيْرُكَ وَلَا طَيْرَ إِلَاّ طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنهما أنّه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ". قَالُوا يَا رَسُولَ الله مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟، قَالَ: "أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَاّ خَيْرُكَ وَلَا طَيْرَ إِلَاّ طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ".» [مسند أحمد (7045) ت أحمد شاكر) وقال إسناده صحيح، وقال شعيب الأرنؤوط «حديث حسن»]
ينبغي لمن مني بالتّطيّر أن يصرف عن نفسه دواعي الخيبة وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشّيطان سلطانا في نقض عزائمه، ومعارضة خالقه، ويعلم أنّ قضاء- الله تعالى- عليه غالب، وأنّ رزقه له طالب، إلّا أنّ الحركة سبب، فلا يثنيه عنها مالا يضير مخلوقا ولا يدفع مقدورا، وليمض في عزائمه واثقا بالله تعالى إن أعطى، وراضيا به وإن منع.
ثالثًا: هل ورد النهي عن التشاؤم بشهر صفر؟
نعم. فقد أبطل النبي ﷺ اعتقاد أهل الجاهلية بشأن شهر صفر.
وإنَّ مِمَّا كانَ يتطيَّرُ بِهِ أهلُ الجاهليةِ شهر صفر، وقد أبطَلَ هذا الإسلامُ؛ لأنَّه ليسَ سببًا حقيقيًّا لحصولِ أضرارٍ أو مصائبَ.
عن أبي هريرة- رضي الله عنه أنّه قال: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا هَامَةَ» [صحيح مسلم (2220)]
قال فضيلة الشيخ/ صفي الرحمن المباركفوري حفظه الله «قيل: الهامة هي البومة الكبيرة. كانت إذا وقعت على بيت أحد يتشاءم بها ويقول: نعت إليَّ نفسي أو أحد من أهل داري، ومعنى النفي على هذا أنه لا شؤم بالبومة ونحوها.» [منة المنعم في شرح صحيح مسلم (3/ 468)]
قالَ البغويُّ: وَقَوْلُهُ: «وَلا صَفَرَ» مَعْنَاهُ: أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ: الصَّفَرُ حَيَّةٌ تَكُونُ فِي الْبَطْنِ تُصِيبُ الإِنْسَانَ وَالْمَاشِيَةَ، تُؤْذِيهِ إِذَا جَاعَ، وَهِيَ أَعْدَى مِنَ الْجَرَبِ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَأَبْطَلَ الشَّرْعُ أَنَّهَا تَعْدِي، وَقِيلَ فِي الصَّفَرِ: إِنَّهُ تَأْخِيرُهُمْ تَحْرِيمَ الْمُحْرِمِ إِلَى صَفَرٍ، وَقِيلَ: إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَسْتَشْئِمُونَ بِصَفَرٍ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ. [شرح السنة للبغوي (12/ 171)]
وقال ابن عاشور: «وقد اختلف العلماءُ في المراد من صفر في هذا الحديث، فقيل أراد الشهر، وهو الصحيح. وبه قال مالك، وأبو عبيدة معمر بن المثنى. وقيل أراد مرضًا في البطن سُمِّيَ الصفر، كانت العرب يعتقدونه معديًا، وبه قال ابن وهب ومطرف وأبو عبيد القاسم بن سلام. وفيه بعد؛ لأن قوله: "لا عدوى" يغني عن قوله: "ولا صفر". وعلى أنه أراد الشهر، فقيل: أراد إبطالَ النسيء، وقيل: أراد إبطال التشاؤم بشهر صفر، وهذا الأخير هو الظاهر عندي.» [جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور (1/ 474)]
خلاصة: لا أصل شرعي للتشاؤم بصفر. وهو شهر كباقي الشهور، لا يجلب شرًا ولا يدفع خيرًا بذاته.
رابعًا: أثر التشاؤم على التوحيد
التشاؤم يناقض كمال التوحيد من وجوه:
سوء الظن بالله عز وجل
نسبة التأثير إلى غير الله
تعلق القلب بالأوهام وضعف التوكل.
«الطيرة من الشرك المنافي لكمال التوحيد الواجب لكونها من إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته ...وذلك بتعلق القلب بها خوفا وطمعا، ومنافاتها للتوكل على الله الذي لا ينفع ولا يضر غيره، واعتقاد النفع والضر في طائر ونحوه لا علم عنده ولا قصد، وإنما تذهب وتجيء في ضرورة معايشها وشئونها. فاعتقاد أن لهذه الحركات ذات اليمين وذات الشمال أثرا في جلب خير أو دفع ضر من سخف العقول وفساد الفطر، وتمكن الخرافات والجهل وعمى القلوب. [فتح المجيد (ص305)]
خامسًا: صور معاصرة للتشاؤم والخرافة
لا يقتصر التشاؤم على شهر صفر، بل له صور أخرى منتشرة:
التشاؤم برقم (13)
الامتناع عن السفر يوم الثلاثاء
ربط الأحداث بمواقع الأبراج
تعليق التمائم لطرد الحسد أو سوء الحظ.
كل هذه الممارسات تُضعف العقيدة، وتُفسد التوكل.
سادسًا: كيف نعالج ظاهرة التشاؤم؟
ترسيخ التوحيد وتعليم العقيدة
يجب تعليم الناس أن الضر والنفع بيد الله، وليس للزمن أو الأشخاص أي تأثير بذاتهم.
نشر السنة والوعي بها
قراءة أحاديث النهي عن الطيرة والتشاؤم، ونشر فتاوى العلماء فيها.
التفاؤل المشروع والتوكل على الله
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ». [صحيح مسلم (2223)] الْفَأْلُ فِيهِ تَقْوِيَةٌ لِلْعَزْمِ وَبَاعِثٌ عَلَى الْجِدِّ وَمَعُونَةٌ عَلَى الظَّفَرِ. وقَدْ تَفَاءَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي غَزَوَاتِهِ وَحُرُوبِهِ.
ردّ الخرافات إلى النصوص
كل ما خالف الكتاب والسنة فهو مردود، ويجب بيان بطلانه بلطفٍ وحكمة.
خاتمة مؤثرة:
لقد جاء الإسلام ليُطهّر القلوب من الأوهام، ويُرسّخ التوحيد، ويُربّي الناس على الاعتماد على الله.
فإياكم والتطير، فإنه شرك، وإياكم والتشاؤم، فإنه يُفسد التوكل ويزرع الشك في النفوس.
اجعلوا شهور الله مواسم عملٍ وعبادة، لا محلًا للبدع والخرافات.
شارك هذه الفائدة، وانشر نور التوحيد في زمن كثرت فيه الظلمات، فـ"الدال على الخير كفاعله".
اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy