سبيل النجاة وعنوان التوفيق
في زحام الحياة وسرعة دوران الأيام، ننسى أحيانًا أنَّ الوقت ليس مجرّد رقمٍ على شاشة، بل هو عُمرٌ يتآكل، ونَفَسٌ يَذهب، وأجلٌ يقترب. والموفّق مَن علم أن الدنيا مزرعةٌ للآخرة، وأن كل لحظة تمرّ دون المسارعة إلى الخيرات، هي خسارة لا تعوّض. في عالم تُستنزف فيه الأعمار في الركض خلف الفاني، يعلو صوت الإيمان داعيًا: بادر، وسارع، واستبق الخيرات.
أهمية المسارعة إلى الخيرات:
قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:133] دعاك الله تعالى إلى السبق، لا إلى التواني، إلى الجنة لا إلى الدنيا. إلى المغفرة، لا إلى الأهواء. ولم يطلب منك ثمنًا لها؛ إلَاّ المسارعة إلى طاعته.. فماذا عملت؛ لتكون من أهل جناته؟!
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148] «كالصلاة في أول وقتها، والمبادرة إلى إبراء الذمة، من الصيام، والحج، والعمرة، وإخراج الزكاة، والإتيان بسنن العبادات وآدابها، فلله ما أجمعها وأنفعها من آية» [تفسير السعدي (ص73)]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ إن رسول اللَّهِ ﷺ قَالَ "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كافرا. يبيع دينه بعرض من الدنيا» [صحيح مسلم (186)]
وقال رسول الله ﷺ: «التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ» [(صحيح) سنن أبي داود (4810)]
فالواجبُ على المؤمن المسارعة إلى الخيرات قبل أن لا يقدِرَ عليها ويُحال بينه وبينها، إما بمرضٍ أو موت...ومتى حِيلَ بين الإِنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرةُ والأسفُ عليه، ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعُهُ الأمنية.» [ينظر جامع العلوم والحكم (2/ 390)]
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" [رواه مسلم (2664)]
كل يوم، يُنادى عليك أن تبادر، أن تغتنم، أن لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، لأنك لا تملك الغد! فالسعيد من صدق النداء، ولبّى النداء، وكتب في صحيفته طاعاتٍ قبل غروب شمس يومه. وكما قيل "التسويف جند من جنود إبليس، يفسد على العبد دينه ودنياه"
جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «ما طلعت شمسٌ قط إلَاّ بُعث بجَنْبتَيْها ملكان؛ إنَّهما ليُسْمعان أهل الأرض إلا الثقلين: يا أيُّها الناس، هلُمُّوا إلى ربكم، فإنَّ ما قلَّ وكفى خير مما كثُر وألهى» [رواه أحمد وابن حبان والحاكم/ صحيح الترغيب للألباني (3167)].
نماذج مشرقة في المسارعة إلى الخيرات
المسارعة إلى أعمال الخير والبر عنوان السعادة، وعلامة التوفيق، وبرهان صدق الإيمان ومحبة الرحمن. فمن نظر في سير الأنبياء والصالحين، رأى العجب في تعجُّلهم رضا الله.
ومن أجمل ما يُضرب به المثل في المسارعة إلى الخيرات؛ ما فعله رسول الله ﷺ حين تذكّر تبرًا (ذهبًا) عنده بعد الصلاة، فقام من فوره، فتخطى رقاب الناس، ليأمر بتوزيعه، ثم عاد ليُخبر أصحابه أنه كره أن يشغله التفكير فيه عن التوجه والإقبال على الله تعالى!
فعَنْ عُقْبَةَ قَالَ: «صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ.» [صحيح البخاري (851)]
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)﴾ [طه: 83-84]
فهذه الآيات تُعبّر عن شوق المؤمن إلى مرضاة ربه، مشمِّرا، مُجتهدًا، لا ينتظر، لا يتباطأ، بل يُسارع.
«وَما أَعْجَلَكَ، أي ما حَمَلَكَ عَلَى الْعَجَلَةِ، عَنْ قَوْمِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى اخْتَارَ مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا حَتَّى يَذْهَبُوا مَعَهُ إِلَى الطُّورِ لِيَأْخُذُوا التَّوْرَاةَ فَسَارَ بِهِمْ ثُمَّ عَجَّلَ مُوسَى مِنْ بَيْنِهِمْ شَوْقًا إِلَى رَبِّهِ عز وجل وَخَلَّفَ السَّبْعِينَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتْبَعُوهُ إِلَى الْجَبَلِ» [تفسير البغوي (3/ 271)]
وقال ابن عباس: كان الله عالما ولكن قال:" وما أعجلك عن قومك رحمة لموسى، وإكراما له بهذا القول، وتسكينا لقلبه، ورقة عليه. [تفسير القرطبي (11/ 233)]
فهو لم ينتظر قومه، بل سارع وحده، طمعًا في رضا مولاه وشوقًا إلى لقائه.
قصة أبي بكر الصديق في إنفاق ماله كله
ومن خير النماذج على المسارعة إلى الخيرات ما يحكيه عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه: " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟»، قُلْتُ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟» قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قُلْتُ: لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. [(حسن) سنن أبي داود (1678)]
وتجد هذه المسارعةَ إلى الخير أيضًا في حال هذا الصحابي الصادق عمير بن الحمام الأنصاري: الذي كان يأكل تمرات في يده يَومَ أُحُدٍ، ثم سألَ النبيَّ ﷺ: أرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ؛ فأيْنَ أنَا؟ قالَ: في الجَنَّةِ!. فألْقَى هذه التَمَرَات من يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حتَّى قُتِلَ. [البخاري (4046) واللفظ له، ومسلم (1901)].
«وكان الجنيد يقرأ وقت خروج روحه، فيقال له: في هذا الوقت؟! فيقول: أبادر طي صحيفتي.» [صيد الخاطر (ص320)]
قصة عامر بن عبد الله
عَنْ سُحَيْمٍ مَوْلَى بَنِي تَمِيمٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَتَجَوَّزَ فِي صَلاتِهِ، ثُمَّ أَقَبْلَ عَلَيَّ فَقَالَ: أَرِحْنِي بِحَاجَتِكَ فَإِنِّي أُبَادِرُ.
قُلْتُ: وَمَا تُبَادِرُ؟ قَالَ: مَلَكَ الْمَوْتِ رَحِمَكَ اللَّهُ! فَقُمْتُ عَنْهُ وَقَامَ إِلَى الصَّلاةِ.» [حفظ العمر لابن الجوزي (ص49)]
فهم لا يُؤجّلون، ولا يسوّفون، بل يبادرون إلى كل بر، ويغتنمون كل فرصة، لأنهم يعلمون أن الآجال قصيرة، وأن الدنيا فانية.
كيف نربي أنفسنا على المسارعة إلى الخيرات؟
تذكر الموت والآخرة
قال رَسولُ اللهِ ﷺ: "أكْثِرُوا ذِكْرَ هاذِمِ اللّذّاتِ" يَعْني المَوْتَ» [(حسن) سنن الترمذي (2460) وابن ماجه (4258)]
إن الساعات تمر والأعمار تنقضي، والموت يأتي بغتة. فاغتنم حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل سقمك. وتذكر قول النبي ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [سنن الترمذي (2417) وقال حَسَنٌ صَحِيحٌ]
كم من غافلٍ أضاع عمره، فإذا حضر الموت، قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 99-100]. فما نفع الندم عند الفوات؟! وما نفع الرجاء حين يُغلق الباب؟!
استشعار قيمة الوقت:
فكم من ساعات أضاعها الكثيرون في غير الطاعات! وكم من أعمار مضت ولم يعمرها أصحابها بالصالحات! قال بكر المزني رحمه الله: «ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول: ابن آدم! اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي! ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم! اغتنمني لعلَّه لا ليلة لك بعدي!.
كل يوم يمر، هو خطوة نحو الآخرة.
قال الحسن البصري: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم، ذهب بعضك." فهل تساءلت يومًا: ماذا كتبت اليوم في صحيفتك؟ هل عمَّرتها بطاعة أو ضيّعتها في لهو؟ هل أدركت أن الأعمال تُدوَّن، والصحف تُفتح، والسجلات تُحصى؟! فإن كنت من المقصرين، فارجع وتُب، وإن كنت من المسارعين، فاثبت وازدد.
وإنه لمن العجيب أن تمضي الأعوام وتتوالى السنون، والناس يشهدون الآيات والعبر، ثم ترى من لا يزال غافلًا عن الطاعة، منهمكًا في المعصية، كأنما كُتب له الخلود في هذه الدنيا!
وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ عُمِّرَ مِنْ أمَّتي سَبْعينَ سنَةً؛ فقد أعْذَر الله إليه في العُمُرِ» [رواه الحاكم/ صحيح الترغيب (3360)].
وفي صحيح البخاري «بَاب: مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً، فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ»
تجاوز العوائق:
- التسويف: علاجه بتحديد مواعيد نهائية للأعمال.
- الكسل: علاجه بالدعاء والاستعانة بالله.
- الانشغال بالدنيا: علاجه بتذكر قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الأنعام:32]
- ضعف الهمة: علاجه بمصاحبة الصالحين.
المسارعة إلى الخيرات تبدأ من أصغر المعروف:
قال ﷺ: "كلُّ معروفٍ صدقَةٌ، وإنَّ مِنَ المعْروفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ، وأنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ في إناءِ أخيكَ". [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، صحيح الترغيب: 2684].
فابْتسم، تصدّق، قم للصلاة في أول وقتها، زُر مريضًا، صِل رحمًا، احفظ لسانك... كل ذلك من الخير، وكل ذلك مما تُسابق فيه.
إنما أنت مسافر، وفي يدك زاد! فبادر قبل أن ينفد الزاد، وتصل وحيدًا، لا أنيس لك ولا نصير.
وإننا نراك -في هذا العصر- قد شُغلت كما شُغل الناس، لكن نُذكّرك:
أن الدنيا لا تدوم، والآخرة قريبة، والموت أقرب مما تظن.
فإن كنت من المقصرين، فارجع فورًا.
وإن كنت من السابقين، فاثبت وازدد!
فالجنّة لا تُنال بالراحة، والخلود في النعيم لا يُدرَك بالتسويف!
دعوة للمشاركة
شارك هذه الفائدة مع من تحب، فلعلّ هذه الكلمات توقظ قلبًا غافلًا، أو تزرع في نفسٍ همة، أو تبعث في غيرك نورًا، ولك الأجر، وله الهداية، ولنا جميعًا دعوة بالثبات والقبول.
اللهم اجعلنا من المسارعين في الخيرات، وبارك لنا في أعمارنا، واختم بالصالحات أعمالنا.
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy