🌸 1. مفهوم "عمل اليوم والليلة" بين الناس
حين يُذكر "العمل"، يتبادر إلى أذهان كثير من الناس السعيَ في طلب الرزق والمعاش، لكن سلفنا الصالح يعلّموننا أمرًا آخر؛ حتى ندرك الحقائق كما أدركوها. فإذا بهم يطلقون لفظ العمل كما أطلقه الله، على الذكر والطاعة. قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105] أي من شر وخير.
لقد فقدت هذه الآية أثرها في نفوس كثير من الناس، فلم يعودوا يرون فيها إلا دعوةً للعمل الدنيوي والكسب المادي، حتى صارت تعلق على اللافتات لتشجيع الموظفين والعمال، وبهت معناها فيما يتعلق بذكر الله وتلاوة كتابه وطاعته والتقرب إليه، وهو العمل الحقيقي.
🌸 2. كتاب "عمل اليوم والليلة"
للإمام الحافظ أبي بكر بن السني رحمه الله.
فماذا كتب في هذا الكتاب؟ وعن أي شيء تحدث؟
لقد ضمَّ كتابه أكثر من ٧٧١ حديثًا في الأعمال والأذكار التي ترافق المسلم في جميع أحواله، ليؤديها في ليله ونهاره، وحلّه وترحاله، وصحّته ومرضه، وفي كل شأنٍ من شؤونه؛ ولذلك سمّاه: "عمل اليوم والليلة"، لأن العمر ما هو إلا تعاقب ليلٍ ونهار.
🌸 تناول -رحمه الله- جزئيات الحياة اليومية من صلاة ووضوء، وبيع وشراء، ونوم ويقظة، وزيارة مريض، ونزول نعمة، ووقوع مصيبة، وحتى الإصابة بالعين، ولقاء الأصدقاء، والوقوع في الذنب...
وهكذا تجده يعرض لتفاصيل الحياة الفردية والاجتماعية والأسرية؛ حتى جسَّد منهاج النبوة في التعامل مع الواقع، وممارسة الحياة الإنسانية وفق الهدي الرباني.
إنه معجمٌ عمليّ للمُثُل والقِيَم الإسلامية الشاملة، الذي أحاط بالجزئيات الصغيرة؛ ليُربِّي مجتمعًا، ويُنشئ أمّةً قويةً سليمة.
🌸 وافتتح كتابه بـ باب حفظ اللسان واشتغاله بذكر الله تعالى، ليقوم اللسان بعمله، ومن الأحاديث التي أوردها:
- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رَفَعَهُ قَالَ: " إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا». [(حسن) سنن الترمذي (2407)]
- وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: آخِرُ كَلِمَةٍ فَارَقْتُ عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي بِأَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى» [(حسن صحيح) صحيح الترغيب والترهيب (1492)]
فوجب إشغال هذا اللسان بذكر الله، والقيام بوظيفته، حتى يعتاد العفة، ويتطهر بالكلام الطيب، ويأنف من لغو الحديث وخبيث الكلام، فتطمئن النفس ويستقر القلب.
🌸 ومن جميل ما يُذكر في وفاته: قال علي بن السني: "كان أبي يكتب الأحاديث؛ فوضع القلم في أنبوبة المحبرة، ورفع يديه يدعو الله -عز وجل-، فمات".
3. من ثمار الذكر
قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته.
وكان أبو الحسن الداودي لا تسكن شفتاه من الذكر، حتى قال له مزينٌ أراد قصَّ شاربه: اسكن شفتيك، فقال: قل للزمان حتى يسكن!
🌸 ومن ثماره:
- يطمئن القلوب، ويُذهب المخاوف، ويشرح الصدور، ويبدد الهموم.
- هو باب الفرج، ومفتاح الطاعات، وسببٌ في قوة البدن، ونور الوجه، وراحة القلب.
- من داوم عليه، أحبه الله، ورفع ذكره، ومن أعرض عنه عاش في ضيقٍ وهمٍّ مهما امتلك من الدنيا.
📌 لتكن أيامك مليئة بالعمل الحقيقي
🌸 فالذِّكر ليس مجرد ألفاظ، بل حياةٌ للقلب، وراحةٌ للروح، وعملٌ تُوزن به الأعمال عند الله.
فهلّا بدأنا يومنا بعملٍ يُرضي الله؟ وهلّا أحيينا ليلنا بذكره، وشكره، والتسبيح بحمده؟
🤲 اللهم أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
🌟 شارك الفائدة مع من تحب، وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy