الحديث عن العظماء يأخذ بمجامع القلوب، وتعطر بأخبارهم الأندية، ويتوق إلى معرفة سيرهم أصحاب الهمم وعشاق المعالي، فما بالكم إذا كان الحديث عن إمام العظماء وسيد النبلاء.
حديثنا عن الشمس التي أشرقت فعمت بنورها الكون كله، ولكن شمسنا تغرب وشمسه صلى الله عليه وسلم تبقى منيرة، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾ [الأحزاب: 45-46]
﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي﴾ [المائدة: 15-16]
يعني بالنور، محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أنار الله به الحقَّ، وأظهر به الإسلام، ومحق به الشرك، فهو نور لمن استنار به يبيِّن الحق». [تفسير الطبري (10/ 143)]
حديثنا عن السراج المنير الذي امتن الله به علينا فأنار القلوب بعد ظلمتها، وأحياها بعد مواتها، وهداها بعد ضلالتها، وأسعدها بعد شِقوتها، فكان صلى الله عليه وسلم الصباح بعد ليل طويل مظلم بهيم.
حديثا عن أروع قصص الحب ولكن من المُحب؟ ومن المحبوب؟
أما المُحب فالشجر والحجر والجبل والسهل والحيوان والطير، وأما الحديث عن حب البشر له فشيء آخر.
أما المحبوب فهو خير من مشى على الأرض، وخير من طلعت عليه الشمس، بل هو شمس الدنيا وضياؤها بهجتها وسرورها، ريقه دواء ونفثه شفاء وعرقه أطيب الطيب، أجمل البشر وأبهى من الدرر، يأسر القلوب ويجتذب الأفئدة. إنه محمد صلى الله عليه وسلم.
أما نوع الحب فيكفي أنه حب أنطق الحجر وحرك الشجر وأبكى الجذع وأسكب دمع البعير فما بالك بإنسان له جنان يفيض بالحب والحنان؟ فهيا أخي المبارك نتجول في بستان المحبة نختار من قصص الحب أروعها ونقتطف باقة عطرة من ذلك البستان الذي مُلئ بأجمل الأزهار وأعبقها: [أروع قصص الحب بتصرف. الغبيشي]
الجذع يحن:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا. قَالَ: إِنْ شِئْتِ. قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ الْمِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، قَعَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ.». [صحيح البخاري (2095)] وفي مسند الدارمي «أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ أَلْتَزِمْهُ، لَمَا زَالَ هَكَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم»، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَدُفِنَ. [وقال حسين أسد: إسناده صحيح]
فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى، ثم قال: (يا عباد الله! الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه لمكانه من الله عز وجل، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه). دلائل النبوة (ص: 397)
حن جذع إليك وهو جماد *** فعجيب أن يجمد الأحياء
وعن الشافعي قال: ما أعطى الله نبياً ما أعطى محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد أعطي عيسى إحياء الموتى وأعطي محمداً حنين الجذع، حتى سمع صوته فهذا أكبر من ذلك». [دليل الفالحين (8/ 654)]
يحن الجذع من شوق إليك *** ويذرف دمعه حزناً عليك
ويجهش بالبكاء وبالنحيب *** لفقد حديثكم وكذا يديك
فمالي لا يحن إليك قلبي *** وحلمي أن أقبل مقلتيك
وأن ألقاك في يوم المعاد *** وينعم ناظري من وجنتيك
فداك قرابتي وجميع مالي *** وأبذل مهجتي دوماً فداك
تدوم سعادتي ونعيم روحي *** إذا بذلت حياتي في رضاك
حبيب القلب عذر لا تلمني *** فحبي لا يحق في سماك
ذنوبي أقعدتني عن علو *** وأطمح أن أُقرب من علاك
لعل محبتي تسمو بروحي *** فتجبر ما تصدع من هواك
الحجر يسلم:
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ.». [صحيح مسلم (2277)]
والطعام يسبح:
عن عبد الله، قال: إنكم تعدون الآيات عذابا وإنا كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بركة، لقد كنا نأكل الطعام مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نسمع تسبيح الطعام. قال: وأتي النبي صلى الله عليه وسلم بإناء فوضع يده فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حي على الوضوء المبارك والبركة من السماء» حتى توضأنا كلنا. [(حسن صحيح) سنن الترمذي (3633)]
لئن سبحت صـم لجبال مجيبــه *** لداود أو لان الحديد المصفـح
فإن الصخور الصُـــمَّ لانت بكفه *** وإن الحصا في كفـه ليسبِّـح
وإن كان موسى أنبع الماء من العصـا *** فمن كفه قد أصبح الماء يطفـح.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. انشر تؤجر وشاركنا تعليقاتك.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy