بعد المرور على الصراط عدالة ورحمة، وقضاء وإرضاء.
إذا نجا أصحاب التبعات من السقوط في النار واجتازوا الصراط، أوقفتهم الملائكة على جسر بين الجنة والنار، ليقتص المظلوم من الظالم، وليقتطع من حسناته بقدر مظلمته أو يعفو عنه، لأن أحدا لا يدخل الجنة وعليه تبعة لأحد، فإذا صفوا ما كان بينهم وتخلصوا مما كان عليهم وعاد الرضا إلى كل نفس ونزع ما في صدورهم من غل، أذن لهم بدخول الجنة التي عرفهم الله مساكنهم فيها فيقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم فيقصد كل منهم منزله قصدا لا يحتاج إلى مرشد أو دليل، فهو أعرف به من أهل الجمعة إذا تفرقوا بعد الصلاة إلى مساكنهم في الدنيا. [المنهل الحديث (2/ 321)]
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ، لَأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا». [صحيح البخاري (2440)].
«قوله: "إذا خلص المؤمنون من النار" أي: من الصراط المضروب على النار. «ويشهد لذلك حديث ابن مسعود الطويل الذي يصف فيه النبي صلى الله عليه وسلم مرور الناس على الصراط.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: " ..ثُمَّ يُؤْمَرُونَ فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ فَيُعْطَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرٍ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الْجَبَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ دُونَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى دُونَ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يُضِيءُ مَرَّةً وَيُطْفِئُ مَرَّةً فَإِذَا أَضَاءَ قَدَّمَ قَدَمَهُ، وَإِذَا طُفِئَ قَامَ، فَيَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، قَالَ: فَيُقَالُ انْجُوا عَلَى قَدْرِ نُورِكُمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَانْقِضَاضِ الْكَوْكَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالطَّرْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَشَدِّ الرَّحْلِ وَيَرْمُلُ رَمَلًا فَيَمُرُّونَ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، حَتَّى يَمُرَّ الَّذِي نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ يَجُرُّ يَدًا وَيُعَلِّقُ يَدًا وَيَجُرُّ رِجْلًا وَيُعَلِّقُ رِجْلًا فَتُصِيبُ جَوَانِبَهُ النَّارُ، قَالَ: فَيَخْلُصُونَ فَإِذَا خَلَصُوا، قَالُوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْكَ بَعْدَ إِذْ رَأَيْنَاكَ، فَقَدْ أَعْطَانَا اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا.." [المستدرك على الصحيحين (8751) وقال: الحديث صحيح ولم يخرجاه]
قوله: "بين الجنة والنار" أي: بقنطرة كائنة بين الجنة والصراط الذي على متن النار. [حاشية السهارنفوري (5/ 242)] قوله: (فيتقاصون)، بتشديد الصاد المهملة: من القصاص، يعني: يتبع بعضهم بعضا فيما وقع بينهم من المظالم التي كانت بينهم في الدنيا في كل نوع من المظالم المتعلقة بالأبدان، والأموال». [عمدة القاري (12/ 286)] «وقيل معنى "يتقاصون" يتتاركون لأنه ليس موضع مقاصة ولا محاسبة، لكن يلقي الله عز وجل في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعض، ليدخلوا الجنة وليس في قلب أحد غل من أحد، والظاهر أن هذه المقاصة من المظالم المتعلقة بالأبدان والأموال معا». [المنهل الحديث (2/ 323)]
ويستفاد من هذا الحديث أن أهل الإيمان بعد المرور على الصراط وسلامتهم من النار يوقفون على قنطرة لأجل التهذيب والتمحيص؛ فلذلك يَقْتَصُّ بعضهم من بعض، حتى إذا هُذبوا ولم يبق على أحدٍ منهم شيء دخلوا الجنة.
ويستفاد من الحديث:
1 - حض المؤمن على التخلص من المظالم والتبعات في الدنيا لينجو من مثل هذا الموقف.
2 - أن المؤمنين في الآخرة على درجات متعددة.
3 - أن الجنة لا يدخلها إلا طاهر نقي من الأكدار والتبعات». [المنهل الحديث (2/ 324)]
والحمد لله رب العالمين،
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
انشر تؤجر، وشاركنا تعليقاتك.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy