حفلت عشر ذي الحجة بكثير من العبادات والأعمال الصالحة، والمسلم إذا غادر الأيام الفاضلة فينبغي له أن يواصل الاستقامة على العبادة، وأعظم الكرامة لزوم الاستقامة. وعندما تمتلئ الأوقات بالعبادات يكون للحياة طعم آخر.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَاّ تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون (31) نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيم (32)} [فصلت].
قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قال ابن كثير: أي أخلصوا العمل للَّه، وعملوا بطاعة اللَّه تعالى على ما شرع لهم.
قال الزهري: تلا عمر هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا واللَّه للَّه بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب.
عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ - وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ - قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ فَاسْتَقِمْ». [صحيح مسلم (38)].
ولا يكون العبد على طريق الاستقامة: حتى تكون إراداته وأعماله وأقواله، وفق ما شرعه اللَّه، وعلى سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112] فقال: {كَمَا أُمِرْتَ} ولم يقل: كما أردت.
والاستقامة "كلمة جامعة آخذه بمجامع الدين وهي القيام بين يدي الله على حقيقة الصدق والوفاء بالعهد وهي تتعلق بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات".
قوله تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ}: يعني عند الموت، قائلين: {أَلَاّ تَخَافُوا}: أي مما تُقدِمون عليه من أمر الآخرة، فإن للآخرة أهوالاً عظيمة تبدأ من القبر: فهو أول منازل الآخرة، فهناك القبر وظلمته وضمته ووحشته، والنفخ في الصور، وعرصات يوم القيامة، والصراط، والميزان، كل هذه الأهوال يهوِّنها اللَّه على أهل الاستقامة.
قوله تعالى: {وَلَا تَحْزَنُوا}: أي على ما خلفتموه من أمر الدنيا: من ولد وأهل ومال ودين، فإنا نخلفكم فيه.
قوله تعالى: {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون (30)} فيبشرونهم بذهاب الشر وحصول الخير؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ». [المسند 8769] بإسناد صحيح على شرط الشيخين.
قال تعالى {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون (32)} [النحل]؛ قال زيد بن أسلم: يبشرونه عند موته، وفي قبره، وحين يبعث، قال ابن كثير: وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًّا وهو الواقع.
قوله تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنا أولياءكم أي قرناءكم في الحياة الدنيا نسددكم ونوفقكم ونحفظكم بأمر اللَّه، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم.
قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون (31)} أي: في الجنة من جميع ما تختارون مما تشتهيه النفوس وتقر به العيون.
قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُون (31)} أي: مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم.
قوله تعالى: {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيم (32)} أي ضيافة وعطاء وإنعامًا من غفور لذنوبكم، رحيم بكم، رؤوف حيث غفر وستر، ورحم ولطف.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ اللهُ تبارك وتعالى: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ: مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}». [صحيح البخاري 4779 واللفظ له، ومسلم2824]
ومن فوائد الآيات الكريمات:
1 - أن الإيمان والاستقامة سببان لدخول الجنة.
2 - أن الملائكة تبشر المؤمن عند الاحتضار، وفي قبره، ويوم القيامة، وعلى أبواب الجنة.
3 - إن العامل ينبغي أن يبشَّر بما يستحق من الثواب، فإن ذلك أبلغ في نشاطه.
4 - إن المؤمنين إنما يدخلون الجنة بفضل اللَّه ورحمته لا بأعمالهم؛ عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ». [صحيح البخاري 6467]
5 - إن المؤمنين إذا دخلوا الجنة أُعطوا ما يريدون: مما تشتهيه نفوسهم وتلذ به أعينهم، بل وزيادة على ذلك، قال تعالى: {لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد (35)} [ق]. وصلِ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
انشر تؤجر وشاركنا تعليقاتك








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy