رمضان شهر التغيير والإصلاح، شهر عظيم وموسم فضيل تهفو النفوس لذكراه، وتتلهف الأفئدة لِلُقياه، فيا له من شهر كريم ما أكثر فضله ومزاياه! يغير النفوس، ويجدِّد العزائم، ويُذكي الأرواح، فاسأل نفسك أخي: إن لم أتغير في رمضان فمتى أتغير؟!
أخي، ها هو رمضان قد أقبل بنوره وعطره، وجاء بخيره وطهره، جاء ليربي في الناس قوة الإرادة ورباطة الجأش، يربي فيهم ملكة الصبر ويعودهم على احتمال الشدائد، والجلد أمام العقبات ومصاعب الحياة، فرمضان مدرسة تربوية يتدرب بها المسلم على تقوية الإرادة في الوقوف عند حدود ربه، والتسليم لحكمه، وتنفيذ أوامره وشريعته، وترك ما يضره في دينه أو دنياه.
فحري بهذا الشهر أن يكون فرصة ذهبية للوقوف مع النفس ومحاسبتها، لتصحيح ما فات، واستعداد لما هو آت، قبل أن تحل الزفرات، وتبدأ الآهات، وتشتد السكرات.
فرمضان فرصة للتغيير لمن كان مفرطًا في صلاته، فلا يصليها مطلقًا، أو يؤخرها عن وقتها، أو يتخلف عن أدائها جماعة في المسجد، ليعلم المتهاون في صلاته أنه يرتكب خطأً كبيرًا، وتصرفًا مهلكًا، يتوقف عليه مصيره كله.
إن التهاون بأمر الصلاة خطأ فادح، وجناية مخزية، لا ينفع معها ندم ولا اعتذار عند الوقوف بين يدي الواحد القهار، وإني أدعوك بكل شفقة وإخلاص، أدعوك والألم يعتصر قلبي خوفًا عليك ورأفة بك، أدعوك في مثل هذا الشهر المبارك إلى إعادة النظر في واقعك، ومُجريات حياتك، أدعوك إلى مراجعة نفسك، وتأمل أوضاعك قبل فوات الأوان.
ورمضان فرصة للتغيير لمن ابتلاه الله تعالى بتعاطي الحرام، من خمر ومخدرات، أو دخان ومسكرات، ألَّا يفعل بعد إفطاره ما يخل بهذه العزيمة القوية أو يوهنها، أو يقلل من شأنها، تلك العزيمة التي جعلته يمسك طوال ساعات النهار، فيهدم في ليله ما بناه في نهاره من قوة الإرادة، فما أحزمه لو استغل شهر الصيام كمدرسة يتدرب بها على هجر ما يكرهه هو أو يكرهه الشارع!
فيا أخي، استعن بالله تعالى على ترك هذا البلاء، فالنصر صبر ساعة، والفرج قريب، وإن الله مع الصابرين.
رمضان فرصة للتغيير لمن كان مقصرًا في نوافل العبادات؛ فلم يجعل له منها نصيبًا، فيغير من حاله، ويبدل من شأنه، ففي رمضان تتهيأ النفوس، وتُقبل القلوب، وتخشع الأفئدة، فينتهز هذه الفرصة فيحافظ على شيء منها، فهي مكملة لفرائضه، متممة لها.
ورمضان فرصة للتغيير لمن هجر القرآن قراءة وتدبرًا وحفظًا وعملًا، حتى أصبح القرآن نسيًا منسيًا، أن يكون هذا الشهر بداية للتغيير، فترتب لنفسك جزءًا من القرآن، لا تنفك عنه بأي حال من الأحوال، ولو كان هذا الجزء يسيرًا، فأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، وقليل دائم خير من كثير منقطع، ولا تنس الفضل الجزيل لمن قرأ كلام الله الجليل، ولقد أدرك سلفنا الصالح عظمة هذا القرآن فعاشوا معه ليلًا ونهارًا.
رمضان فرصة للتغيير لمن تعود على حياة المترفين، ونشأ على حب الدعة واللين، أن يأخذ من رمضان درسًا في تربية النفس على المجاهدة والخشونة، فربما تسلب النعمة، وتحل النقمة.
ورمضان فرصة للتغيير من أخلاقنا؛ فمن جُبِل على الأنانية والشح وفقدان روح الشعور بالجسد الواحد فشهر الصوم مدرسة عملية، مدرسة للقضاء على صفة الأنانية والشح؛ ومن ثم الشعور بالجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، قال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [رواه مسلم].
ورمضان فرصة للتغيير لمن كان قليل الصبر، سريع الغضب، أن يتعلم منه الصبر والأناة، فأنت الآن تصبر على الجوع والعطش والتعب والنصب ساعات طويلة، ألا يمكنك، أيضًا، أن تعود نفسك، من خلال شهر الصبر، الصبرَ على الناس وتصرفاتهم وأخلاقهم، وما يفعلونه تجاهك من أخطاء، وليكن شعارك الدائم {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بِالصُّرَعَةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» [رواه البخاري ومسلم]، فليكن هذا الشهر بداية لأن يكون الصبر شعارنا، والحلم والأناة دثارنا.
ورمضان فرصة للتغيير لمن ابتلاه الله تعالى بقلبٍ قاسٍ كالصخر الراسي، لا تدمع له عين، أن ينتهز فرصة هذا الشهر، الذي تكون للنفوس فيه صولة وللقلوب فيه جولة، فيحرص على ترقيق قلبه، بصرفه عن الذنوب التي هي جالبة الخطوب، وحاجبة القلوب عن علام الغيوب، ومن أراد السعادة فليلزم عتبة العبادة، وليجتنب الإساءة.
رمضان فرصة للتغيير لمن كان يأكل الحرام، من خلال أكل الربا أو التلاعب في البيع والشراء أو بيع المحرمات، وهل يسرك أن أهل الإيمان يرفعون أيديهم في صلاة التراويح والقيام يدعون الله تعالى، ويستغيثون به، ويسألونه من فضله ورحمته وجوده وبره ويستجاب لهم، وأنت تُرَدُّ عليك دعوتك؟!! عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون:51] ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» [رواه مسلم].
فالتوبة التوبة، فهي شعار المتقين، ودأب الصالحين، وحلية المخبتين، أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس، توبوا إلى الله فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة» [رواه مسلم].
فبادر يا رعاك الله إليها في مثل هذا الشهر المبارك، فأبواب الجنة مشرعة، وأبواب النار مغلقة، ولله في كل ليلة عتقاء من النار، فاجتهد أن تكون واحدًا منهم.
نسأل الله عز وجل لنا ولك ولوالدينا الرضا والرضوان، والفوز بالجنان، والنجاة من النيران.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy