اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي فأجازه في كل مكان وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة فيه، وفيه قول الشافعي قديم وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل. فتح الباري لابن حجر (4/ 272(.
ولا شك أن الاعتكاف في المسجد يحقق مقصود الاعتكاف من حبس النفس عن الشهوات والشبهات والانقطاع للعبادة، واعتكاف الرجل في بيته يمنعه من تحصل مقصود عبادة الاعتكاف.
إلا أن بقاء الناس في بيوتهم، والتزام الحجر الصحي الذي يعيشه الناس، يرجح رأي بعض المالكية بجواز الاعتكاف في مسجد البيت، وذلك بشروط:
1- أن يكون ذلك في مسجد البيت، وليس كل البيت، بمعنى أنه لابد من وجود مسجد أو مكان خاص بالصلاة، لا يستعمل إلا للصلاة.
2- أن يلتزم المعتكف مسجد بيته، لا يخرجه إلا لضرورة، كقضاء الحاجة ونحوها، فيمكث فيه طوال فترة الاعتكاف، أما أن يبقى فيه بضع ساعات ثم يعيش حياته الاعتيادية، فليس باعتكاف.
3- أن ينشغل المسلم بعبادات الاعتكاف في مسجد بيته، من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وبذلك يتحقق مقصود الاعتكاف.
4- أن هذا الاختيار مبني على مراعاة الظروف التي يعيشها الناس، فإن زال العذر؛ عاد الحكم إلى أصله، وهو اشتراط المسجد للاعتكاف، ويبقى الاعتكاف في مسجد البيت للمرأة، على ما ذهب إليه الحنفية والشافعي في القديم.
5- إن القول بجواز الاعتكاف في بيوت المسلمين له حظ كبير من النظر في ظل هذه الظروف؛ لأن فيه إعمالاً وحفظاً للشعيرة، والإعمال مع سقوط بعض الشروط أولى من الإسقاط بالكلية.
على أن هذا الحكم يبقى بالاختيار، بناء على أن الاعتكاف – في أصله- سنة، فليس بواجب، فللناس أن تمكث وقتا في مسجد بيتها تتعبد لله تعالى، ولا يسمى هذا اعتكافا، لكنهم يتحصلون على أجر العبادة التي يقومون بها.
والأمر في أصله فيه سعة، فليس كل المسلمين في العالم الإسلامي يعتكفون في المساجد في الأحوال الاعتيادية، وإنما المقصود هو القول بجواز الاعتكاف في مسجد البيت بالشروط المذكورة، لمن شاء، ومن التزم برأي الجمهور في اشتراط المسجد، فله ذلك، وقد قرر الفقهاء في قواعدهم:” لا ينكر المختلف فيه، وإنما ينكر المتفق عليه”.
المصادر:
المغني لابن قدامة (3/189).
حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1 / 725).
المجموع شرح المهذب للنووي (6/ 478).
فتح الباري لابن حجر (4/ 272).
نيل الأوطار للشوكاني (4/ 317).
البدر التمام شرح بلوغ المرام، للحسين بن محمد اللاعي المعروف بالمغربي (5/ 148).








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy