فوائد المصلي


تحرير إمارة الرُها على يد عماد الدين زنكي

benefitsImg
0 29 2/10/2019 3:38:33 PM

تقع إمارة الرُها في منطقة الجزيرة [وهي منطقة تشترك فيها ثلاث دول الآن العراق وسوريا وتركيا] وقد فتحت سنة 17هـ، على يد القائد عياض بن غنم الفهري، وكان للرها خصوصية عند الروم وعند المسلمين، عند الروم لأنهم كانوا يعتبرونها من المدن الدينية عندهم وتنتشر بها الكنائس والصوامع، أما خصوصيتها عند المسلمين فترجع لكونها على حدود الدولة الإسلامية، أي أنها من الثغور الهامة، وكان الخلفاء دائمًا يهتمون بالثغور ويدعمون أهلها بالجند والمرابطين الذي هم على استعداد كامل ومستمر تحسبًا لهجوم العدو في أي لحظة، وكانت منطقة الجزيرة خاصة أنطاكية والرها تسمى منطقة العواصم أو الثغور.

عندما أطلق البابا أوربان الثاني شرارة الحملات الصليبية الشهيرة على الشام سنة 485هـ، تحركت الجيوش الأوروبية تباعًا، وكان الهدف المعلن هو تحرير بيت المقدس، وإعادة مملكة الصليب على أرض الشام، وبعد أن انتصرت الحملة الصليبية على جيش السلاجقة عند مدينة قونية افترقت الحملة الصليبية إلى جزءين، جزء قرر مواصلة السير إلى بيت المقدس، وجزء بقيادة الكونت «بولدوين»، وقرر الهجوم على مدينة الرُها، وبالفعل احتلها في جمادى الآخرة سنة 492هـ.

ظل وضع المسلمين في تشتت وتفرق وتقاتل على الملك، حتى ظهر القائد البطل «عماد الدين زنكي» الذي كان أميرًا على الموصل، وقد نأى بنفسه عن صراعات أمراء وملوك السلاجقة على الحكم والسلطة، وجعل كل همه مقارعة الصليبيين في الشام، وقد بدأ رحلته الجهادية في سنة 522هـ بأن ضم إمارة حلب إلى الموصل وكون جبهة قوية ضد الكيان الصليبي، واستطاع ضم الكثير من القلاع والحصون والمدن بالشام وذلك كله تحضيرًا لضربته القوية وهي تحرير الرُها.

كان يحكم الرُها رجل داهية اسمه «جوسلين»، وقد شعر بتحركات عماد الدين زنكي، فعمد إلى تحصين المدينة وتقوية دفاعاتها، وكان أهل جوسلين وعياله بفرنسا ويحب زيارتهم ولكنه رفض المغادرة حتى لا يستولي عليها عماد الدين زنكي.

علم عماد الدين زنكي أنه لا سبيل لفتح المدينة ما دام هذا الداهية فيها، فاستعمل الحيلة والدهاء مع هذه الشخصية الخطيرة، فأظهر عماد الدين أنه مشغول بقتال القبائل الكردية المسيطرة على قلاع «الهكارية» في منطقة ديار بكر المجاورة للرُها، وهي قبائل ذات نزعة استقلالية لم تقبل التوحد مع عماد الدين زنكي لدواعي العصبية والقبلية، وعندها اطمأن «جوسلين» للأمر وقرر زيارة أهله في فرنسا بصورة سرية وسريعة، ولم يكن يعلم أن جواسيس عماد الدين قد نقلت إليه الأخبار.

في أقصى سرعة تحول عماد الدين زنكي بجيوشه إلى الرُها، وفي يوم 6 جمادى الآخرة 539هـ شد المسلمون على المدينة شدة الأُسد الكواسر لفتحها قبل أن تأتيها النجدات الصليبية، وقام النقابون بنقب أسوار المدينة، ودافع الصليبيون عن مدينتهم بمنتهى الشجاعة، وحمي الوطيس، ولكن ذلك لم يفد شيئًا مع العزائم الصادقة والنوايا الخالصة والسواعد المؤمنة، ففتحت المدينة على الأثر، وكان لفتحها وتحريرها أعظم الأثر في الشرق والغرب، حتى أن بعض الصالحين قد رأى الأمير عماد الدين في منامه بعد وفاته فسأله: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بفتح «الرُها».

راجع ما يلي: الكامل في التاريخ (9/331)، البداية والنهاية (12/236)، المنتظم (10/112)، تاريخ ابن خلدون (5/236)، النجوم الزاهرة (5/279)، الطريق إلى بيت المقدس (1/66)، أيام الإسلام ص203، الروضتين (1/138).