فوائد المصلي


أتدري لماذا خص النبي صلى الله عليه وسلم دعاء ليلة القدر بطلب العفو من الله؟!

benefitsImg
231 2531 6/9/2018 7:33:58 PM

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». سنن الترمذي (3513)، السلسلة الصحيحة (3337).

وهذا الدعاء تضمن أعظم أسباب إجابة الدعاء: التوسل إلى الله عز وجل، ثم جاء بعده الطلب، فالتوسل هنا باسمه العفو، وبأنه جلَّ وعلا يحب العفو، وهذا فعل، ثم جاءت المسألة: «فاعفُ عني»، وهذا من أكثر الدعاء الذي تضمن توسلًا إلي الله عز وجل، ودعاءً له بأسمائه، كما قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.

والعفو يتضمن معنيين: المعنى الأول: أنه الذي يعفو عن السيئات بمحوها، والتجاوز عنها، وعدم المؤاخذة بها. أما المعنى الثاني: أنه جلَّ في علاه يستر على المذنب ذنبه ويغفره، فلا يطلع عليه أحد، وهذا من جميل كرمه أنه يتجاوز عن السيئات، وأنه يمحوها، وأنه أيضًا لا يفضحك بها؛ بل يسترك، وهذا تكرير فضل، وتكرير إنعام على العبد.

ثم قال: «تحب العفو»: هذا دعاءٌ وتوسلٌ إلى الله عز وجل بفعله، وهو أنه يحب العفو جلَّ في علاه؛ ولذلك يُثيب العفو، ويعطي عليه عطاءً جزيلًا.

وبعد هذا قال: «فاعفُ عني»، أي: فتجاوز عني سَيء عَملي، والسيء من العمل هنا يشمل نوعين من الأعمال:

 النوع الأول: ترك الواجبات، فإن ترك الواجبات سيءٌ يتطلب عفوًا ومغفرةً، وكذلك التقصير فيها.

والثاني من العمل الذي يندرج في السيئات: انتهاك الحرمات، سواءً كانت الحرمة حرمة دم، حرمة مال، حرمة عرض، كلها من السيئات التي ترجو الله وتسأله أن يتجاوز عنك بقولك: «اللهم إنك تحب العفو فاعفُ عني».

فالله تعالى إذا عفا عن الإنسان وتجاوز عن ذنوبه أصلح له شأنه كله في الدنيا والآخرة، وعافاه من عقوبات الذنوب وآثارها، ومن آثارها الأمراض ووقوع الأذى من شرار الناس، وهذا يشمل العافية والمعافاة، مع ما يشمله في الآخرة من النجاة.

والعبد في هذه الشهر الكريم قد أتى بقربات وطاعات لكن فيها من التقصير والتفريط ونقص الإخلاص ما يدعوه إلى أن يدعو ربه أن يعفو عن كل هذا؛ لذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم عائشة هذا الدعاء لتقوله في ليلة القدر، وتدرك به عفو الله تعالى بعد ما قدمته في رمضان عمومًا وفي هذه الليلة خصوصًا من الطاعات.

فقد تغتر النفس؛ فتظن أنها قد أعطت لله تعالى حقه من الصوم والقيام والذكر، لكنها حين تتفكر في دعاء ليلة القدر تجد أن هذا الدعاء يحمل معنى الانكسار من عبد مليء بالعيوب والتقصير في حق ربه عز وجل، فهو يتوسل إلى ربه باسمه العفُوّ ليكون أرجى في نيل المغفرة والعفو والرحمة.

هذه هي الحال التي يريد منا الله تعالى أن نكون عليها، ليس حال الممتن على الله تعالى بأعماله، أو حال المستغني عن طلب العفو والمغفرة، أو الواثق من قبول عمله، وإنما هي حال العبد الفقير الخاضع الذليل، المتوسل إلى ربه ليصفح عنه ويغفر له، ويقبل عمله على ما فيه من تقصير، قال ابن الجوزي: وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصّر.

فطلب العفو بهذا الدعاء هو جماع خيري الدنيا والآخرة...

فاستحضر هذه المعاني وأنت تدعو بهذا الدعاء، عسى أن يغفر المولى عز وجل الذنوب ويستر العيوب، ويجبر خلل الطاعات ويرفع الدرجات.