فوائد المصلي


بطل الريف المغربي، كابوس الإسبان ورعب الفرنسيين، أقام دولة إسلامية عصرية قوية في خمس سنوات فقط!

benefitsImg
73 1474 6/2/2018 1:12:14 PM

إنه أمير الجهاد المغربي وبطل الريف، كابوس الإسبان ورعب الفرنسيين، الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي، وُلد سنة 1299هـ ـ 1882م، في بلدة «أغدير» قرب «الحسيمة» من بلاد الريف المغربي «شمال المغرب»، وينتمي إلى قبيلة «ورياغل» أكبر قبائل البربر هناك، حفظ القرآن صغيرًا، وكان أبوه شيخ قبيلته فأرسله لجامع القرويين بمدينة فاس لتلقي العلوم الشرعية، فلما تخرج عمل قاضيًا شرعيًا في مدينة مليلة، وكانت بلاد المغرب وقتها واقعة تحت الاحتلال الفرنسي الإسباني المشترك، فإسبانيا تحتل بلاد الريف وطنجة، وفرنسا تحتل مراكش وباقي المغرب.

كان والد الأمير الخطابي معارضًا للاستعمار الإسباني ورفض التبعية للمندوب الإسباني «جوردانا»، فقام الإسبان بعزل ابنه الأمير من منصبه وأودعوه السجن، غير أنه تمكن من الفرار من السجن وعاد إلى مسقط رأسه، فوجد أباه قد مات، فخلفه في رياسة القبيلة سنة 1339هـ ـ 1920م، فأعلن الجهاد على الإسبان، وحقق نجاحًا كبيرًا في جمع القبائل حوله، فأرسل إليه الإسبان بقوة كبيرة يقودها حاكم «مليلة» الجنرال «سلفستر» لمداهمة بلدة «أغدير» مسقط رأس الأمير، فانتصر المغاربة على الإسبان في معركة من معارك الإسلام الخالدة عند مدينة «أنوال» وأبيد جيش سلفستر عن بكرة أبيه ويقدر بأربعة وعشرين ألف مقاتل، وغنم الأمير أسلحة بكميات ضخمة في المعركة التي وقعت في 25 شوال سنة 1339هـ ـ 1 يوليو 1921، وسيطر بذلك الأمير على معظم مناطق الريف.

حشد الإسبان مائة وخمسين ألف مقاتل لاستعادة بلاد الريف من الخطابي، وقاوم المغاربة بضراوة وكبدوا الإسبان خسائر ضخمة، فلجأ الإسبان إلى المكر والخداع وشق الصف المجاهد، وذلك باستمالة أحد أقطاب الجهاد المغربي وهو «أحمد الريسوني» وكان قرين الخطابي في المكانة والجهاد ويفضل عليه بكبر السن؛ إذ كان أكبر منه بثلاثين عامًا تقريبًا، فأقنع الإسبان «الريسوني» بعقد مفاوضات سلام فقبل الريسوني ورفض الخطابي وساءت الظنون بين الرجلين، وعمل الريسوني على تخذيل القبائل عن الخطابي، واضطر الخطابي في النهاية لمقاتلة الريسوني، فانتصر عليه وأسره سنة 1343هـ.

أعلن الخطابي قيام جمهورية إسلامية عصرية في بلاد الريف واتخذ من «أغدير» عاصمة له، وفي هذه الفترة وقع انقلاب عسكري بإسبانيا سنة 1342هـ ـ 1923م، وقررت الحكومة الجديدة الانسحاب من المناطق الداخلية في المغرب والتمركز في مواقع حصينة على السواحل، فازدادت قوة جمهورية الخطابي الريفية.

انزعجت فرنسا بشدة من الانسحاب الإسباني، وأخذوا في بث الدعاية المضادة للخطابي والريفيين وتأليب الدول الأوروبية الصليبية، ونشر الشائعات ضد الخطابي بأنه يريد عرش مراكش، ثم حشدت فرنسا بالتعاون مع إسبانيا حملة عسكرية ضخمة تقدر بـ 278 ألف مقاتل، وللأسف الشديد الذي تدمع من أجله العيون وتنفطر له القلوب أن 146 ألف مقاتل من هؤلاء كانوا مغاربة يقاتلون إخوانهم في الدين والوطن من أجل خدمة أسيادهم الصليبيين وبدوافع قبلية، في حين كان جيش الخطابي 65 ألف مقاتل فقط، ومع ذلك حقق الخطابي انتصارًا باهرًا على الفرنسيين عند قطاع «تازة» سنة 1344هـ ـ 1925م، وجاء من فرنسا الجنرال «بيتان» أعتى القادة الفرنسيين لإدارة سير القتال، وتم الدفع بعدد 132 طائرة في القتال، وتحت وطأة القتال أخذت القبائل تنسحب من جيش الخطابي بعد تهديد ووعيد من الفرنسيين، واضطر الأمير الخطابي في النهاية للاستسلام بعد أن قاوم حتى آخر لحظة في 12من ذي القعدة 1344هـ ـ 25 مايو 1926م، وقام الفرنسيون بنفيه إلى جزيرة «رينيون» في شرق إفريقيا.

قضى الخطابي في منفاه 21 سنة متصلة، ثم قامت فرنسا بعد الحرب الثانية بنقله إلى باريس، وأثناء مرور السفينة التي تقله إلى هناك بقناة السويس، تمكن الخطابي من الفرار واللجوء إلى مصر وذلك سنة 1367هـ ـ 1947م، وبذل الأمين العام لجامعة الدول العربية «عبد الرحمن عزام» جهدًا كبيرًا من أجل إقناع الحكومة المصرية بمنحه حق اللجوء السياسي، تفرغ بعدها الخطابي لقيادة العمل السياسي لتحرير المغرب من الخارج وظل شعلة نشاط متقدة تعمل على نصرة بلاده، حتى مات بأزمة قلبية في 12 رمضان 1382هـ ـ 6 فبراير 1963م، بعد أن قاد الجهاد في بلاده وأصر على سبيل الجهاد لنيل الحرية، وأنزل بالاحتلال الهزائم الكثيرة وأقام دولة إسلامية عصرية قوية وذلك كله في خمس سنوات فقط.

راجع: أعلام الحركة الإسلامية ص304، التاريخ الإسلامي (14/356ـ 364).