فوائد المصلي


أتدري أن هذا الرجل الأسطورة بفضل الله عليه اعترفت اليابان بالإسلام ووقف أمام الزحف النصراني في الصين وشارك الليبيين في حرب إيطاليا ووقف مع الأسرى المسلمين في الحرب العالمية الثانية؟!

benefitsImg
135 3069 5/28/2018 4:18:26 PM

إنه ذلك الرجل الأعجوبة، الذي امتدت حياته مائة عام، أمضى أكثرها في الرحلة، حمل فيها هموم الإسلام وأهله، وملئها بالدعوة لنشر هذا الدين، فأثمرت جهوده عن وضع البذور الأولى  للإسلام في اليابان.

إنه الشيخ الداعية الرحالة عبدالرشيد إبراهيم، ولد رحمه الله في مدينة «تارا» في سيبريا سنة 1846 م، ونشأ في أسرة تعتز بإسلامها، وفي سن الثانية عشر ارتحل إلى الحجاز، وأقام في مكة المكرمة والمدينة المنورة عشرين عامًا درس خلالها علوم العربية والشريعة، وبعد نجاح الأسطول الياباني في توجيه ضربة ساحقة للأسطول الروسي عام 1904، رأى بعض المسلمين أن اليابان أرضًا خصبة للإسلام، فاهتموا بأمرها وأخبارها، لذا ارتحل عبد الرشيد عام 1905، إلى تركستان وبلاد المغول واليابان وكوريا والصين وسنغافورة، وأفريقيا، فكانت رحلته بدوافع ذاتية وصفها بقوله: لم يكن ورائي دافع ولا أمامي سائق، بل شددت حزام الهمة على بطني وأمسكت بعصا التوكل بيدي، ونويت مخلصًا إعلاء كلمة الله.

وعندما وصل رحمه الله إلى الصين وقام بدعوة الناس إلى دين الله، كتب أحد القساوسة العاملين في الصين إلى وزارة خارجية بلاده يخبرها أن النصرانية تعاني من جهود عدو يزحف عليها بقوته، فبعثت وزارة الخارجية تسأل عن هذا العدو، فإذا بالإجابة المفاجئة: إنه الشيخ عبد الرشيد إبراهيم الذي حقق بعض المكاسب في الصين أمام النصرانية الزاحفة.

وفي زيارته الأولى لليابان لم يهدأ، أو يركن إلى الراحة والاستجمام، وإنما سعى للتعرف على الشعب الياباني وثقافته وتعرف على علومه، وزار الناس في بيوتهم وتحدث إليهم، وكان محور حديثه التقارب الكبير بين الإسلام واليابانيين، محسنًا الإسلام إليهم ومقربًا له من أفهامهم.

وكان يقول: لست واعظًا ولا عالمًا حسبكم علماؤكم يفقهونكم في أمور دينكم، ولكن سلوني عن الإسلام والمسلمين في أكثر بقاع الأرض فعندي علمهم وفي قلبي همهم.

ولم يدخر عبد الرشيد جهدًا للدفاع عن الإسلام، فشارك في الحرب الطرابلسية عام 1912 عندما غزت إيطاليا ليبيا، رغم أن عمره كان يقترب من السبعين عامًا، ورحل مع الجيش العثماني أثناء قتاله في القوقاز، ورحل إلى ألمانيا في الحرب العالمية الأولى لإرشاد عشرات الآلاف من الجنود المسلمين الذين أسرتهم ألمانيا أثناء قتالها للحلفاء.

بعد الحرب العالمية الأولى، لم يتوقف عن الاهتمام بقضايا الشرق، ورغم الإحباط الذي آلمه بعد إسقاط الخلافة العثمانية عام 1924، فإن رحلته الثانية لليابان أراد أن يلغي فيها الوساطة الأوروبية في تعريف اليابانيين بالإسلام، حيث إن اليابانيين يتعرفون على الإسلام من خلال الكتابات الغربية المشوهة لهذا الدين العظيم.

فاستطاع عبد الرشيد أن يحصل عام 1939 على اعترف رسمي من الحكومة بالإسلام كأحد الأديان في اليابان، بعدما نجح أن يحصل على دعم حكومي في بناء مسجد طوكيو عام 1938، وأخذ في تعريف اليابانيين بالإسلام من خلال لقاءاته ومقالاته التي كتبها في الصحافة اليابانية، فأسلم على يديه أعداد معتبرة من اليابانيين، وزاد احترام اليابانيين له لرفضه مغادرة اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية، فقد كان الرجل يعتبر أن رعاية بذرة الإسلام في تلك البلاد مهمة مقدسة تستوجب البقاء.

كان عبد الرشيد شعلة من النشاط وهو في الخامسة والتسعين من عمره ينهض قبل بزوغ الفجر فيقيم صلاة التهجد، ثم يؤم الناس في صلاة الصبح، ثم يلقي دروسه حول القرآن وتعاليمه، ثم يحفظ الصبيان الفاتحة وقصار السور، ويعطي دروسًا في اللغة العربية، فكان يومه وليله جهاد متواصل، حتى توفاه الله تعالى عن عمر يناهز المائة عام في 31 أغسطس سنة 1944م، ودفن في اليابان، رحمه الله تعالى رحمة واسعة فقد كان أعجوبة وأسطورة بحق.