حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> أحاديث نبوية

الحديث السادس عشر من الأربعين النووية

الحديث السادس عشر من الأربعين النووية
2026‏/09‏/06
31٬718

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ». فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» [رواه البخاري].

لغة الحديث:

لا تغضب: الغضب: ثَوَران في النفس يحملها على الرغبة في البطش والانتقام.

فردد مرارًا: كرر الرجل طلبه للوصية أكثر من مرة.

شرح الحديث:

هذا الحديث العظيم، الذي جمع أبواب الخير وخصاله، يبين لنا حرص أصحاب النبي ﷺ على طلب الوصية منه عليه الصلاة والسلام، وسؤالهم له عن أفضل الأعمال وأنفع الخصال، وكيفية تحصيل رضا الله وجنة الخلد من أقرب طريق ومن أسهل باب، وكان نبينا ﷺ بصيرًا بأدواء القلوب ودوائها، عالمًا بأحوال السائلين وما يناسبهم، فأعطى كل واحد ما يناسبه من نافع الدواء وناجع العلاج.

والمراد بالغضب المنهي عنه في هذا الحديث هو سوابق الغضب وأسبابه، أو لواحقه وتبعاته، وليس المراد النهي عن الغضب الذي هو جبلة في الإنسان.

ويشهد لهذا المعنى ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟»، قَالَ: قُلْنَا: الَّذِي لَا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: «لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [رواه مسلم].

ما يرشد إليه الحديث:

1- من محاسن الصحابة حرصهم على الخير، ومن محاسن الإسلام النهي عن مساوئ الأخلاق.

2- أن الغضب مفتاح لكثير من الشرور القولية والفعلية، وقد ورد في روايةٍ عن الإمام أحمد عن السائل أنه قال: "ففكرت حين قال النبي ﷺ ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله".

ومن آثار الغضب المقيتة:

أ- أضرار بالنفس، وهي: جسمية مادية، وخلقية معنوية، وروحية دينية، وتستطيع أن تدرك ذلك عندما تتصور الغضوب، وقد تغير لونه، وطفح دمه، وانتفخت أوداجه، وارتعدت أطرافه، واضطربت حركته، وتلجلج كلامه، وانطلق لسانه بالفاحش من القول، يسب ويشتم، وربما قال الكلام المحرم، الذي يخرج عن الإسلام أحيانًا، كالتلفظ بالكفر والتعرض للدين ونحو ذلك، أضف إلى كل ما تقدم، ما يقوم به من تصرفات طائشة، يهدر بها ماله أو يؤذي بها جسمه.

ب- أضرار بالمجتمع: فهو يولد الحقد في القلوب، وإضمار السوء للناس، وهذا ربما أدى إلى إيذاء المسلمين وهجرهم، ومزيد الشماتة بهم عند المصيبة، وهكذا تثور العداوة والبغضاء بين الأصدقاء، وتنقطع الصلة بين الأقرباء، فتفسد الحياة وتنهار المجتمعات.

3- في تكرار النبي ﷺ وصيته ثلاثًا "لا تغضب" تنبيه منه على شدة نفعها وحسن عاقبتها في الدنيا والآخرة، ويبدو أن السائل لم يقنع بهذه الوصية الموجزة لفظًا العظيمة قدرًا، فلم یزده عليها ﷺ؛ لأنه طبيب الأرواح، العليم بما يداوي النفوس، فهذه النصيحة وحدها هي دواء السائل وكثير من الناس.

4- تأكيد النهي عن الغضب، ولا يدخل في ذلك الغضب لله إذا انتهكت حرماته، فالغضب مراتب، فأفضله الغضب لله، وأسوؤه السخط على قضاء الله، فالأول من كمال الإيمان، والثاني من الجهل بالله وسوء الظن به.

5- النهي عن أسباب الغضب، لأن النهي عن شيء نهي عن أسبابه، ومن أسباب الغضب التي ينبغي للمسلم أن يبتعد عنها: المراء والسباب والمنازعات وصحبة السفهاء والسخرية بالآخرين والتدخل فيما لا يعني والكبر والتفاخر والتعالي على الناس.

6- أما معالجة الغضب فيكون بأمور كثيرة أرشدنا إليها الإسلام، منها:

أ- أن يروض نفسه ويدربها على التحلي بمكارم الأخلاق، كالحلم والصبر والتثبت في الأمور والتأني في التصرف والحكم، وقدوتنا في هذا رسول الله ﷺ.

ب- أن يثبت نفسه ويضبطها إذا أُغْضِب، ويتذكر عاقبة الغضب، وفضل كظم الغيظ والعفو عن المسيء، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].

روى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن النبي ﷺ قال: «من كظم غيظًا، وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء».

ج- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].

 

روى البخاري ومسلم: استب رجلان عند النبي ﷺ، وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي ﷺ: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».

د- تغيير الحالة التي هو عليها حال الغضب، فقد روى أحمد وأبو داود عن النبي ﷺ قال: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضجطع»؛ وذلك لأن القائم متهيئ للانتقام وأقرب إليه، والجالس والمضطجع أبعد عنه.

هـ- ترك الكلام، لأنه ربما تكلم بكلام قوبل عليه بما يزيد من غضبه، أو تكلم بكلام يندم عليه بعد زوال غضبه، لأنه ما كان يجب أن يصدر منه. روى أحمد والترمذي وأبو داود أن النبي ﷺ: «إذا غضب أحدكم فليسكت». قالها ثلاثًا.

7- الغضبان مسئول عن تصرفاته: إذا أتلف الإنسان، حال غضبه، شيئًا ذا قيمة لأحد فإنه يضمن هذا المال ويغرم قيمته، وإذا قتل نفسًا عمدًا وعدوانًا استحق القصاص.

 

وفي الختام، تذكّر أن لحظة غضب قد تدفعك إلى كلمة أو تصرف تندم عليه طويلًا؛ فاحرص على ضبط نفسك، وتذكّر وصية النبي ﷺ: «لا تغضب».

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

هل انتفعت بهذه الفائدة؟ شاركنا في التعليقات: ما أكثر ما يساعدك على ضبط غضبك حين يشتد؟

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/08‏/20
26٬438

الحديث الثالث عشر من الأربعين النووية

محبة الخير للآخرين وسلامة الصدر من الحسد والغش من علامات كمال الإيمان وسبيل لصلاح المجتمع.

2026‏/08‏/27
29٬446

الحديث الرابع عشر من الأربعين النووية

يؤكد الحديث حرمة دم المسلم، ويبرز دور الشريعة في حفظ النفوس والمجتمع.

2026‏/09‏/03
30٬524

الحديث الخامس عشر من الأربعين النووية

حفظ اللسان وبذل الإحسان للجار والضيف من ركائز الإيمان الصادق وحسن المعاشرة.

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software