من أعظم ما يعين المسلم على الثبات على طريق الحق أن يتأمل سير العلماء العاملين من سلف هذه الأمة؛ فقد جمعوا بين العلم والعمل، وبين العبادة والورع، وبين قوة الحجة والشجاعة في قول الحق. ومن أولئك الأعلام الذين بقي ذكرهم شاهدًا على عظمة تلك الأجيال: الإمام سفيان الثوري رحمه الله، أحد أئمة الإسلام، وأعلام المحدثين والفقهاء، ومثال العالم الذي لم يكن علمه كلمات تُحفظ، وإنما كان منهجًا يُعمل به، وخشيةً تسكن القلب، وورعًا يضبط السلوك.
نشأته وطلبه للعلم
هو أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ولد سنة 97هـ، ونشأ في بيت علم وصلاح، وكان لأبيه، وهو من رواة الحديث الثقات، أثر كبير في توجيهه إلى العلم.
كما كان لأمه أثر بالغ في تربيته، فقد كانت تشجعه على طلب العلم، وتعينه عليه، وتربيه على أن يكون العلم سببًا لزيادة الخشية والوقار، لا مجرد كثرة في المعلومات.
أقبل سفيان على العلم منذ صغره، ورحل في سبيله إلى عدد من الأمصار، ولقي العلماء والمحدثين، حتى بلغ عدد شيوخه نحو ستمائة شيخ، واشتهر بقوة الحفظ وسعة الاطلاع ودقة الفهم. وكان لا يرى للعلم نهاية؛ فقد ظل يطلبه ويكتبه حتى آخر حياته.
ومن عجيب حرصه على العلم أنه في مرض موته سمع حديثًا أعجبه، فأخرج ألواحًا كانت تحت فراشه وكتبه، فقيل له: وأنت على هذه الحال؟ فقال: «إنه حسن، إن بقيت فقد سمعت حسنًا، وإن مت فقد كتبت حسنًا».
وكان سفيان من أعلام الحديث، حتى شهد له كبار العلماء بالتقدم والإمامة. وكان يحيى القطان يقدمه في بعض مواضع الاختلاف لحفظه وإتقانه، وقال ابن المبارك: «ما كتبت عن أفضل من سفيان».
ولم يكن علمه مقصورًا على الحديث، بل كان عالمًا بالفقه والاستنباط، ولذلك قال ابن المبارك في وصف مجالسه: «كنت إذا شئت رأيته في الحديث، وإذا شئت رأيته في الفروع، وإذا شئت رأيته مصليًا، وإذا شئت رأيته غائصًا في الفقه».
وهكذا اجتمع لسفيان ما قل أن يجتمع في رجل واحد: قوة الحفظ، وسعة العلم، ودقة الفقه، والعمل بما يعلم.
ورعه وعبادته وإنكاره للمنكر
لم يكن سفيان الثوري عالمًا يكثر من الحديث عن التقوى فحسب، بل كان شديد الخشية لله تعالى، عظيم المراقبة له. وكان يرى أن العلم الحقيقي لا بد أن يظهر أثره في العمل؛ ولذلك قال: «هذا في عمله بعلمه، ما بلغني عن رسول الله ﷺ حديث قط إلا عملت به ولو مرة واحدة».
وكان شديد الاحتياط في الفتوى، لا يتسرع في الإجابة، خصوصًا في المسائل الخطيرة المتعلقة بحقوق الناس وأعراضهم وفروجهم. ومن ذلك أنه سئل عن مسألة في الطلاق فسكت، وقال: «إنما هي الفروج»؛ أي إن الأمر عظيم، والخطأ فيه قد يترتب عليه حكم خطير في حياة الإنسان.
وكانت عبادته من أبرز صفاته؛ فقد عرف بقيام الليل وكثرة الصلاة والذكر والبكاء من خشية الله، وكان كثير التذكر للموت والآخرة. ونُقل عن أصحابه من شدة خشيته لله ما يدل على أن ذكر الآخرة كان حاضرًا في قلبه بقوة.
وكان زهده حقيقيًا لا مجرد مظهر؛ فالزهد عنده لم يكن في نوع الطعام أو خشونة اللباس، وإنما في قصر الأمل والاستعداد للموت وعدم التعلق بالدنيا. وكان يحرص على أن يكسب ما يكفيه حتى لا يحتاج إلى الناس.
كما كان سفيان شديد الغيرة على حدود الله، كثير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يترك ما يراه منكرًا دون نصح بحسب استطاعته. وكان يرى أن المسلم مسؤول عما يستطيع تغييره، وأن السكوت عن الحق مع القدرة على بيانه أمر يخشى عاقبته.
ومن أعظم مواقف حياته جرأته في نصح الحكام، فقد كان يرى أن العلم أمانة، وأن قرب العالم من السلطان لا ينبغي أن يجعله تابعًا له. ولذلك أنكر على الخلفاء ما رأى فيه إسرافًا أو مخالفة للعدل والسنة، ولم يجعل مكانة السلطان سببًا لترك النصيحة.
ولهذا تعرض للملاحقة حين أراده بعض الخلفاء على تولي القضاء، ففر من ذلك، واختفى مدة من الزمن، ومع ذلك لم يترك طلب العلم ولا العبادة. فكان اختفاؤه عن أعين الناس لا يعني توقفه عن أداء رسالته العلمية.
وفاته وثناء العلماء عليه
ظل سفيان الثوري على طريقته في العلم والعبادة والورع حتى أدركه أجله، فتوفي في البصرة سنة 161هـ، بعد حياة حافلة بطلب العلم وتعليمه، والعبادة، والنصح، وإنكار المنكر، والبعد عن مواطن الفتنة.
وقد ترك رحيله أثرًا عميقًا في نفوس العلماء وأصحابه، وتتابعت كلمات أهل العلم في الثناء عليه، حتى قال الأوزاعي: «لو قيل لي اختر لهذه الأمة رجلًا يقوم فيها بكتاب الله وسنة نبيه لاخترت لهم سفيان الثوري».
وقال ابن أبي ذئب: «ما رأيت أشبه بالتابعين من سفيان الثوري»، وقال ابن المبارك في بيان منزلته: إنه لم ير أحدًا إلا كان دون ما بلغه من وصفه، إلا سفيان الثوري؛ فقد كان على قدر ما بلغه عنه من الثناء.
إن سيرة سفيان الثوري هي درس متجدد في حقيقة العلم النافع.
فقد كان يرى أن العلم مسؤولية، وأن الحفظ بلا عمل حجة على صاحبه، وأن العبادة لا تنفصل عن العلم، وأن العالم لا ينبغي أن يبيع دينه من أجل رضا الناس أو قرب أصحاب السلطة.
ومن هنا فإن حاجة الأمة اليوم إلى دراسة سير أمثال سفيان الثوري ليست مجرد حاجة تاريخية، بل هي حاجة تربوية؛ لنتعلم منهم كيف يكون طلب العلم، وكيف تتحول المعرفة إلى خشية، وكيف يكون العالم ثابتًا عند الفتن، وكيف يحافظ الإنسان على استقلال قلبه أمام زخارف الدنيا.
رحم الله سفيان الثوري رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعلنا ممن ينتفعون بسير العلماء العاملين، ويجمعون بين العلم والعمل، وبين العبادة والورع، وبين قول الحق وحسن الاتباع.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy