تُعدُّ سِيَرُ السلف الصالح من أعظم ما يعين المسلم على الثبات والاقتداء، فهي صفحات مضيئة من تاريخ الإسلام، يرى فيها الإنسان نماذج عملية لتطبيق القرآن والسنة.
ومن أعظم تلك الشخصيات الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز رحمه الله؛ ورغم أن مدة خلافته لم تتجاوز سنتين وخمسة أشهر، فإنها كانت من أكثر الفترات بركةً وإصلاحًا في تاريخ المسلمين.
وقد كان العلماء يحثون على دراسة سيرته؛ لأنها تقدم نموذجًا للحاكم الصالح الذي جعل همَّه الأول رضا الله تعالى، وخدمة الرعية، وإقامة العدل، في وقت أصبح الناس فيه بحاجة إلى القدوات الصالحة أكثر من أي وقت مضى.
نشأته وطلبه للعلم وتوليه الخلافة
وُلِد عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم سنة 61 هـ تقريبًا، ونشأ في المدينة المنورة، وكانت أمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجمع بين النسب الأموي، والانتساب إلى بيت الفاروق عمر رضي الله عنه.
وقد رُوي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: "إن من ولدي رجلًا بوجهه شين يملأ الأرض عدلًا"، وكان كثير من العلماء، ومنهم نافع مولى ابن عمر، يرون أن المقصود بذلك هو عمر بن عبدالعزيز، الذي اشتهر بلقب أشج بني مروان بسبب أثر جرح في جبهته أصابه وهو صغير.
ومنذ صغره ظهرت عليه علامات النبوغ، فقد طلب من والده أن يتركه في المدينة ليتلقى العلم على أيدي فقهائها بدلًا من السفر معه، فجلس إلى كبار علماء التابعين، مثل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، والزهري وغيرهم، حتى أصبح من علماء عصره قبل أن يكون أميرًا أو خليفة.
وشهد له الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه فقال: "ما صليت وراء إمام أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى"، يقصد عمر بن عبدالعزيز حين كان واليًا على المدينة، لما كان عليه من إتمام الركوع والسجود والاقتداء بهدي النبي ﷺ.
ولما تولى إمارة المدينة عُرف بحسن سيرته وعدله، وكان إذا عرضت له مسألة جمع كبار فقهاء المدينة واستشارهم، ولم يكن يستبد برأيه، بل كان يجعل الشورى أساسًا للحكم.
وفي سنة 99 هـ، أوصى الخليفة سليمان بن عبدالملك بالخلافة لعمر بن عبدالعزيز، فلما بويع بها لم يفرح بالملك، وإنما استشعر عظم الأمانة، فخطب الناس قائلًا: "إني لست بخير من أحد منكم، ولكني أثقلكم حملًا، ولست بمبتدع ولكني متبع." كما قال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق." فكانت هذه الكلمات إعلانًا لمنهجه القائم على اتباع الكتاب والسنة، وتحقيق العدل بين الناس.
عدله وإصلاحاته وإحياء السنة
بدأ عمر بن عبدالعزيز الإصلاح بنفسه قبل أن يبدأ بغيره، فردَّ ما كان في يده من أموال لا يستحقها إلى بيت مال المسلمين، وباع ما يملك من متاع فاخر، واختار حياة الزهد والتقشف.
كما خير زوجته فاطمة بنت عبدالملك بين الاحتفاظ بحليها أو رده إلى بيت المال، فاختارت الآخرة وردت حليها.
ثم شرع في إصلاح الدولة، فعزل الولاة الظالمين، وولى مكانهم أهل الصلاح والكفاءة، وكان يكاتبهم دائمًا يوصيهم بتقوى الله والعدل بين الرعية. وقرب العلماء، وجعلهم مستشاريه، بل كان لا يقطع أمرًا مهمًا إلا بعد مشاورتهم، وكان شديد التمسك بسنة النبي ﷺ ومحاربة البدع.
واهتم بنشر العلم، وشجع على تدوين السنة النبوية، وأرسل العلماء إلى القرى والبوادي لتعليم الناس أمور دينهم، حتى عدَّه كثير من أهل العلم مجدد القرن الأول الهجري، استنادًا إلى حديث النبي ﷺ: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وقد نقل ابن كثير عن الإمام أحمد وغيره أنهم رأوا أن عمر بن عبدالعزيز أول من تحقق فيه هذا الوصف.
وكان من عدله أنه لم يفرق بين قريب وبعيد، ولا بين أمير وفقير، بل جعل الجميع سواء أمام الحق.
وكان مناديه ينادي كل يوم: "أين الغارمون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ أين المحتاجون؟" فيُعطى كل ذي حق حقه، حتى عمَّ الخير البلاد، وقيل إن عمال الزكاة كانوا يطوفون بالأموال فلا يجدون من يقبلها؛ لأن الناس قد استغنوا بعدله.
ولما جاءه أحد أقاربه يطلب مالًا من بيت المال، رفض وقال: "والله ما هم ورجل في أقصى المغرب في بيت المال إلا سواء." فلم تجعل القرابة عنده حقًا في أموال المسلمين.
زهده وعبادته ومكانته عند العلماء
كان عمر بن عبدالعزيز مثالًا في الزهد الحقيقي، فلم يترك الدنيا لعجز عنها، وإنما تركها وهي بين يديه. وكان يقول: "إن لي نفسًا تواقة، كلما نالت شيئًا تطلعت إلى ما هو أعلى منه، فلما نالت الخلافة تطلعت إلى الجنة."
وكانت حياته بعد الخلافة تختلف تمامًا عما قبلها، فقد ترك مظاهر الترف، حتى قيل إنه لم يكن يملك إلا ثوبًا واحدًا، فإذا غُسل بقي في بيته حتى يجف. وروي أنه طلب يومًا من زوجته درهمًا ليشتري عنبًا، فقالت: ليس عندنا شيء، فقال: "هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غدًا في نار جهنم."
وكان شديد الخوف من الله، حتى روت زوجته فاطمة أنها كانت تراه يصلي ثم يبكي طويلًا، فإذا ذكر الآخرة ارتعد كما يرتعد العصفور، وقالت: "ما رأيت أحدًا أكثر خوفًا من الله منه، وما رأينا سرورًا منذ دخلنا الخلافة."
وروت أيضًا أنها دخلت عليه يومًا فوجدته يبكي، فلما سألته قال: إنه تذكر الفقير، والمسكين، واليتيم، والأرملة، والمريض، والمظلوم، وخشي أن يسأله الله عنهم يوم القيامة، وأن يكون رسول الله ﷺ خصمه إن قصَّر في حقهم.
وقد أجمع العلماء على فضله؛ فقال الإمام النووي: "أجمعوا على جلالته وفضله، ووفور علمه، وعدله، وزهده، وحسن سيرته." وقال الإمام الذهبي: "هو الإمام، الحافظ، العابد، الزاهد، أمير المؤمنين حقًا."
وقال مالك بن دينار: "الناس يقولون: مالك زاهد، وإنما الزاهد عمر بن عبدالعزيز، أتته الدنيا فتركها."
وكانت له مواعظ بليغة بقيت تتردد على ألسنة العلماء، ومن أشهرها قوله: "ليس تقوى الله بصيام النهار وقيام الليل، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله." وقال أيضًا: "من أكثر ذكر الموت رضي بالقليل، ومن علم أن الكلام من عمله أمسك عن الكلام إلا فيما يعنيه." وكان يقول: "قيدوا النعم بالشكر، وقيدوا العلم بالكتابة."
وفي سنة 101 هـ اشتد عليه المرض، فلما حضرته الوفاة قرأ قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]، ثم فاضت روحه إلى بارئها، وعمره نحو تسع وثلاثين سنة، بعد خلافة استمرت سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام فقط.
ورغم قصر مدة حكمه، بقي أثره خالدًا في تاريخ المسلمين، فقد أثبت أن إقامة العدل، والتمسك بالكتاب والسنة، وخشية الله، قادرة على تغيير أحوال الأمم في زمن يسير، ولذلك ظل اسمه مقرونًا بالعدل والإصلاح، وستبقى سيرته من أعظم النماذج التي يقتدي بها المسلمون في كل زمان.
شاركنا في التعليقات: ما أبرز الدروس التي تعلمتها من سيرته؟








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy