عَنْ أَبِي عَبدِ اللهِ النُعْمانِ بْن بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» [رواه البخاري ومسلم].
أهمية الحديث ومنزلته:
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد»، وحديث النعمان بن بشير: «الحلال بَيِّن والحرام بين».
معاني المفردات:
بَيِّن: ظاهر، وهو ما نص عليه الله ورسوله، أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه أو تحريمه بعينه.
مشتبهات: جمع مشتبه، وهو المشكل؛ لما فيه من عدم الوضوح في الحل والحرمة.
لا يعلمهنَّ: لا يعلم حكمها؛ لتنازع الأدلة، فهي تشبه الحلال من وجه، وتشبه الحرام من وجه آخر.
اتقى: اجتنب وجعل بينه وبين كل شبهة حاجزًا وواقيًا يحميه.
الشبهات: جمع شُبهة، وهي الأمر المشتبه، أي: الملتبس المشكل.
استبرأ لدينه وعِرْضِه: طلب البراءة، أو حصل عليها، لدينه من النقص، ولعرضه بحفظه عما يعاب عليه.
عرضه: عرض الرجل حسبه، وهو ما يمدح به أو يذم.
وقع في الشبهات: اجترأ على الوقوع في الشبهات.
الحِمَى: أي: المكان المحمي دخوله، المحظور على غير مالكه.
يرتع: تأكل منه ماشيته، وتقيم فيه.
محارمه: المعاصي التي حرمها الله تعالى.
مضغة: قطعة من اللحم قدر ما يمضغ في الفم، والمراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد.
شرح الحديث:
يشير الحديث إلى أن ما أحله الله ورسوله وما حرمه الله ورسوله، كل منها بين واضح، وإنما الخوف على المسلم من الأشياء المشتبهة، وهي الأشياء التي ليست واضحة الحل ولا واضحة الحرمة بالنسبة لكثير من الناس، فمن ترك تلك الأشياء المشتبهة عليه فقد تم له براءة دينه بالبعد عن الوقوع في الحرام، وتم له كذلك صيانة عرضه عن كلام الناس بما يعيبون عليه بسبب ارتكابه هذا المشتبه.
ومن لم يجتنب المشتبهات فقد عَرَّض نفسه إما إلى الوقوع في الحرام أو اغتياب الناس له ونيلهم من عرضه.
ثم إن الرسول ﷺ ضرب مثلًا لمن يرتكب الشبهات كراع يرعى إبله أو غنمه قرب أرض قد حماها صاحبها، فتوشك ماشية ذلك الراعي أن ترعى في هذا الحمى لقربها منه، فكذلك من يفعل ما فيه شُبهة؛ فإنه بذلك يقترب من الحرام الواضح، فيوشك أن يقع فيه.
وأشار النبي ﷺ إلى أن في الجسد مضغة (وهي القلب) يصلح الجسد بصلاحها ويفسد بفسادها؛ فإذا فعل الإنسان بجوارحه الطاعات وعمل الخيرات دلّ ذلك على صلاح قلبه، وإذا فعل المعاصي وارتكب المنكرات وتجنب الطاعات دلّ ذلك على فساد قلبه.
ما يرشد إليه الحديث:
1- أن من الأشياء ما هو حلال بَيِّن تعرفه العامة والخاصة، ومنها ما هو حرام بين تعرفه العامة والخاصة، ومنها أمور مشتبهات، ليست من الحلال البين ولا من الحرام البين، وهذه لا يعلمها كثير من الناس، وإنما يعلمها بعضهم..
2- فضل العلم الذي به الفرقان بين الحق والباطل والحلال والحرام.
3- الإرشاد إلى اتقاء واجتناب المشتبهات، وهي ما حصل فيه التردد في حله وحرمته.
4- أن في اجتناب الشبهات احتياطًا للدين والعرض بالسلامة من الوقوع في الحرام.
5- أن الإقدام على المشتبهات سبب للوقوع في الحرام.
6- أن الاقتراب من الحمى والمحظور سبب للوقوع فيه.
7- أن لملك الملوك سبحانه حمى، وهو ما حرم على عباده، كالفواحش ما ظهر منها وما بطن.
8- وجوب اجتناب محارم الله.
9- وجوب اجتناب الأسباب المفضية إلى المحرمات.
10- أن مدار الصلاح والفساد في الإنسان على القلب، وسائر الجوارح تابعة له صلاحًا أو فسادًا.
11- أن صلاح الباطن يستلزم صلاح الظاهر، وفساد الظاهر يستلزم فساد الباطن، وقد يصلح الظاهر مع فساد الباطن كحال المنافق والمرائي(1).
وختامًا .. اجتنب الشبهات، واحفظ قلبك، فمن صلح قلبه استقامت جوارحه، وسلم دينه وعِرضه.
وصلى الله على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
هل انتفعت بهذه الفائدة؟ أخبرنا في التعليقات🌱
وشارك الفائدة مع أحبابك وأصدقائك، فالدال على الخير كفاعله.
______________________
(1) انظر: الفوائد المستنبطة من الأربعين النووية، عبد الرحمن البراك، ص:25-26.








share facebook
share whatsApp
share twitter
share telegram
copy