حمل المصلي الآن
مدونة المصلي >> مساجد أثرية

جامع عقبة بن نافع.. منارة الإسلام الأولى في المغرب العربي

جامع عقبة بن نافع.. منارة الإسلام الأولى في المغرب العربي
2026‏/07‏/21
24٬184

حين يُذكر تاريخ الحضارة الإسلامية في بلاد المغرب، يبرز اسم جامع عقبة بن نافع بوصفه أحد أعظم الشواهد على عظمة المسلمين في البناء والعلم والدعوة.
وهذا الجامع هو صفحة حية من تاريخ الإسلام، ومنارة أشرقت منها أنوار القرآن والفقه واللغة إلى أنحاء المغرب العربي والأندلس، وظل على مدار أكثر من ثلاثة عشر قرنًا رمزًا للإيمان والعلم والهوية الإسلامية.

تأسيس جامع القيروان ونشأته التاريخية

يقع الجامع في مدينة القيروان التونسية، وهي أول مدينة إسلامية أُسست في شمال إفريقيا، وقد أنشأها القائد المسلم عقبة بن نافع سنة 50هـ/670م لتكون قاعدةً ثابتةً للجيوش الإسلامية ومركزًا لنشر الإسلام في إفريقية. وكما جرت عادة المسلمين عند تأسيس مدنهم، كان المسجد هو أول وأهم معالمها، فبُني الجامع ليكون قلب المدينة النابض ومركزها الديني والعلمي.

 

كان الجامع في بداية أمره بسيطًا في تصميمه، صغير المساحة، يعتمد سقفه على الأعمدة مباشرة دون وجود العقود المعمارية التي عُرفت في العصور اللاحقة، إلا أن مكانته الدينية جعلته يحظى بعناية الخلفاء والأمراء والعلماء جيلاً بعد جيل، فشهد عمليات توسعة وإعادة بناء متعددة مع الحفاظ على موضعه الأصلي، وقبلته، ومحرابه الذي وضعه عقبة بن نافع. أما الصورة التي نراها اليوم، فهي تعود في معظمها إلى العصر الأغلبي في القرن الثالث الهجري، مع استمرار أعمال الصيانة والترميم خلال العهدين الصنهاجي والحفصي.

ويُعد جامع القيروان من أكبر المساجد التاريخية في الغرب الإسلامي، إذ تبلغ مساحته نحو 9700 متر مربع، ويصل طوله إلى 126 مترًا، بينما يبلغ عرضه 77 مترًا. ويضم بيت صلاة واسعًا يستند إلى مئات الأعمدة الرخامية، وصحنًا كبيرًا تحيط به الأروقة من جميع الجهات، مما يمنحه هيبة معمارية استثنائية تجمع بين البساطة والقوة والجمال. ولم يكن هذا الاتساع مجرد مظهر عمراني، بل كان انعكاسًا للدور الكبير الذي أداه الجامع في احتضان آلاف المصلين وطلاب العلم عبر القرون.

ويتميز الشكل الخارجي للجامع بأنه يشبه الحصون الإسلامية؛ فجدرانه سميكة ومرتفعة، تدعمها دعامات قوية تمنحه صلابة كبيرة، وهو تصميم فرضته طبيعة تلك المرحلة التاريخية التي كانت تحتاج إلى منشآت تجمع بين العبادة والحماية. كما أن تخطيطه المستطيل وتناسق أبعاده جعلاه من أروع نماذج العمارة الإسلامية، حتى أصبح نموذجًا احتذت به كثير من جوامع المغرب العربي والأندلس فيما بعد.

 

وقد مر الجامع بعدة مراحل من التجديد والتطوير. فكان أول من أعاد بناءه حسان بن النعمان الغساني بعد استقرار الفتح الإسلامي، حيث وسعه وقوى بنيانه مع الإبقاء على المحراب الأصلي.

ثم جاءت توسعة بشر بن صفوان في العصر الأموي، فأضاف أرضًا جديدة إلى المسجد، وأقام مئذنة عند بئر الجنان، كما أنشأ موضعًا للوضوء داخل الصحن.

وبعد ذلك واصل الولاة والأمراء الاهتمام بالجامع، حتى جاءت الدولة الأغلبية لتمنحه صورته المعمارية الخالدة، فأقام الأمير زيادة الله بن الأغلب قبة المحراب، ورفع السقف، وأضاف زخارف رخامية بديعة، بينما أكمل أحمد الأغلبي أعمال التجميل، وزين المنبر والمحراب، وشيد قبة باب البهو، ليبلغ الجامع في تلك المرحلة قمة نضجه الفني والمعماري.

روائع العمارة الإسلامية في جامع عقبة بن نافع

ومن أبرز معالم جامع عقبة بن نافع مئذنته التاريخية التي تُعد من أقدم المآذن الباقية في العالم الإسلامي، وأحد أهم النماذج التي أثرت في عمارة المساجد بالمغرب العربي. تتكون المئذنة من ثلاث طبقات مربعة تتناقص أحجامها كلما ارتفعت، تعلوها قبة صغيرة، ويبلغ ارتفاعها نحو 31.5 مترًا.

وقد أصبحت هذه المئذنة نموذجًا اقتدت به مآذن كثيرة في تونس والجزائر والمغرب، بل امتد تأثيرها إلى بعض مساجد المشرق الإسلامي، وهو ما يؤكد المكانة المعمارية الفريدة التي احتلها جامع القيروان عبر العصور.

ولا تقل قباب الجامع روعة عن مئذنته، إذ يضم ست قباب، أشهرها قبة المحراب التي تُعد أقدم قبة شُيدت في المغرب الإسلامي، بالإضافة إلى قبة باب البهو، وقبتين عند مدخل بيت الصلاة، وقبة تعلو المجنبة الغربية، وأخرى فوق المئذنة. وقد أسهم هذا التناسق الهندسي في إضفاء طابع معماري مميز على المسجد، حتى أصبح مرجعًا للمعماريين في تصميم المساجد الإسلامية بالغرب الإسلامي.

 

أما محراب الجامع، فهو من أعظم التحف الفنية في تاريخ العمارة الإسلامية، ويُعد أقدم المحاريب الإسلامية الباقية حتى اليوم. تكسوه ألواح رخامية دقيقة الصنع، وتزينه قطع خزفية ذات بريق معدني جُلبت من العراق في العصر الأغلبي، مما يعكس الصلة الحضارية الوثيقة بين إفريقية والمشرق الإسلامي آنذاك.

ويعلو المحراب نصف قبة من خشب الساج، ازدانت بزخارف نباتية غاية في الدقة والإبداع، حافظت على جمالها رغم مرور أكثر من ألف عام.

 

وعلى يمين المحراب يقف منبر جامع القيروان، وهو أقدم منبر خشبي في العالم الإسلامي ما زال محفوظًا في مكانه الأصلي. صُنع من خشب الساج المستورد من الهند، ويتكون من أكثر من ثلاثمائة لوحة منقوشة بزخارف هندسية ونباتية متقنة، جُمعت جميعها دون استخدام المسامير أو الغراء، وإنما بطريقة هندسية دقيقة تدل على براعة الصناع المسلمين في العصر الأغلبي. وإلى جواره تقع المقصورة المعزية التي أنشأها الأمير المعز بن باديس في القرن الخامس الهجري، وهي من أقدم المقصورات الإسلامية التي لا تزال تحتفظ بعناصرها الأصلية وزخارفها الخشبية ونقوشها الكوفية البديعة.

 

ومن أسرار جمال الجامع أيضًا مئات الأعمدة الرخامية المختلفة، التي جُمعت من مبانٍ رومانية وبيزنطية قديمة، فجاء كل تاج منها مختلفًا عن الآخر، في مشهد معماري فريد يجمع بين بقايا حضارات متعاقبة داخل بيت من بيوت الله. وقد استطاع المعماري المسلم أن يوظف هذه العناصر المتنوعة في بناء متناسق، حتى أصبح الجامع شاهدًا على قدرة الحضارة الإسلامية على استيعاب التراث الإنساني وتوجيهه لخدمة العقيدة والفن معًا.

جامع القيروان.. منارة للعلم والحضارة الإسلامية

ولم تقتصر مكانة جامع عقبة بن نافع على عظمته العمرانية، بل كان من أكبر مراكز العلم في العالم الإسلامي.

فقد احتضن حلقات القرآن الكريم، والحديث الشريف، والفقه المالكي، واللغة العربية، وتخرج فيه كبار العلماء الذين نشروا العلم في مختلف أنحاء المغرب والأندلس.

ومنه انتقلت أساليب العمارة والفكر الإسلامي إلى مساجد ومدارس كثيرة، حتى غدت القيروان عاصمة للعلم والحضارة الإسلامية في الغرب الإسلامي لقرون طويلة.

ولا يزال الجامع حتى اليوم يؤدي رسالته الدينية والعلمية، ويستقبل آلاف المصلين والزوار من مختلف أنحاء العالم، خاصة في شهر رمضان والمناسبات الإسلامية، حيث يقصد الناس رحابه للصلاة والتأمل في عظمة هذا الصرح الخالد. كما يمثل أحد أبرز المعالم التراثية في تونس، ورمزًا للحضارة الإسلامية التي استطاعت أن تمزج بين الإيمان والعلم، وبين الجمال والقوة، وبين الأصالة والاستمرار.

 

لقد ظل جامع عقبة بن نافع على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرنًا شاهدًا على تاريخ أمةٍ صنعت حضارة عظيمة، وحافظت على هويتها ورسالتها.

وليس غريبًا أن يعده المؤرخون أحد أعظم مساجد الإسلام وأبرز معالمه؛ فهو ليس بناءً من حجر فحسب، بل مدرسة خرجت العلماء، ومنارة أضاءت دروب الهداية، ورمز خالد يروي للأجيال قصة انتشار الإسلام في المغرب العربي، ويجسد عبقرية المسلمين في العمارة والفكر والعبادة.

 

شاركنا في التعليقات، هل كنت تعرف عن هذا المسجد من قبل؟

بحث

الأكثر تداولاً

مقالات متعلقة

2026‏/07‏/01
35٬513

سيرة السلطان محمد الفاتح

سيرة السلطان محمد الفاتح، و كيف صنعت التربية والإيمان والعلم قائدًا حقق فتح القسطنطينية وترك أثرًا خالدًا في تاريخ الأمة الإسلامية.

2026‏/07‏/14
29٬939

قتيبة بن مسلم.. القائد الذي فتح أبواب ما وراء النهر

تعرّف على سيرة القائد المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي، وأبرز فتوحاته، وحكمته العسكرية التي جعلته أحد أعظم فاتحي الإسلام في المشرق.

2026‏/07‏/18
34٬677

سليم... والباب الذي أغلق الغضب

كيف تحوّل سليم من طفل سريع الغضب إلى طفل هادئ محبوب؟ قصة مستوحاة من وصية النبي ﷺ: «لا تغضب».

مع تطبيق المصلي تعرف على المساجد القريبة أينما كنت بمنتهى الدقة

حمل المصلي الآن

مدار للبرمجة © 2025 جميع الحقوق محفوظة لشركة مدار البرمجة

Powered by Madar Software